الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / نظرة سيد قطب إلى الجزية وأهلها

نظرة سيد قطب إلى الجزية وأهلها

عدد المشاهدات :3290

نظرة سيد إلى الجزية وأهلها

ومن بوائق سيد قطب أنه يخالف ما قرره القرآن والسنة وعلماء الإسلام من أن الجزية صغار ورمز إذلال لأهل الذمة، فأينما يذكرها في أي كتاب بما في ذلك “الظلال ” يذكرها في صورة تشي بإكرامهم واحترامهم، ففي تفسير قول الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} لا يذكر هذا الصغار ولا يفسره كتفسير المسلمين، بل بأسلوب يدغدغ به عواطف المستشرقين واليهود والنصارى وغيرهم من الحاقدين على الإسلام فيقول:

والإسلام – بوصفه دين الحق الوحيد القائم في الأرض – لا بد أن ينطلق لإزالة العوائق المادية من وجهه، ولتحرير الإنسان من الدينونة لغير دين الحق، على أن يدع لكل فرد حرية الاختيار بلا إكراه منه، ولا من تلك العوائق المادية كذلك.

وإذن، فالوسيلة العملية لضمان إزالة العوائق المادية وعدم الإكراه على اعتناق الإسلام في الوقت نفسه هي كسر شوكة السلطات القائمة على غير دين الحق حتى تستسلم وتعلن استسلامها بقبول إعطاء الجزية فعلا، وعندئذ تتم عملية التحرير فعلا بضمان الحرية لكل فرد أن يختار دين الحق عن اقتناع، فإن لم يقتنع بقي على عقيدته وأعطى الجزية لتحقق عدة أهداف:

أولها: أن يعلن بإعطائها استسلامه وعدم مقاومته بالقوة المادية للدعوة إلى دين الله الحق.

ثانيها: أن يساهم في نفقات الدفاع عن نفسه وماله وعرضه وحرماته التي يكفلها الإسلام لأهل الذمة، والذين يؤدون الجزية فيصبحون في ذمة المسلمين وضمانهم، ويدفع عنها من يريد الاعتداء عليها من الداخل أو من الخارج بالمجاهدين من المسلمين.
ثالثها: المساهمة في بيت مال المسلمين الذي يضمن الكفالة والإعاشة لكل عاجز عن العمل بما في ذلك أهل الذمة بلا تفرقة بينهم وبين المسلمين دافعي الزكاة ([1]).

أقول: أين معنى الصغار في هذه الأهداف فالهدف الأول لا بد منه حتى من المسلم، فلا بد أن يعلن استسلامه لله رب العالمين، وإذا قاوم الدولة المسلمة بالقوة المادية، وجب قتاله وقتله، والهدفان الآخران لصالح أهل الذمة، فهم في كليهما كالمسلمين، بل العبء الأكبر على المسلمين، ولأهل الذمة الغنم والراحة، لقد أضاع سيد قطب الهدف الإسلامي الأساسي من أخذ الجزية من أهل الذمة.

وأضاع أيضا الهدف الآخر وهو ما قاله عمر رضي الله عنه: (أوصيكم بذمه الله، فإنه ذمة نبيكم ورزق عيالكم).

ثم قال: ولا نحب أن نستطرد هنا إلى الخلافات الفقهية حول من تؤخذ منهم الجزية، ومن لا تؤخذ منهم، ولا عن مقادير هذه الجزية، ولا عن طرق ربطها، ومواضع هذا ا الربط ( … ) ذلك أن هذه القضية برمتها ليست معروضة علينا اليوم كما كانت معروضة على عهود الفقهاء الذين أفتوا فيها واجتهدوا رأيهم في وقتها.

إنها قضية تعتبر اليوم تاريخية وليست واقعية.

إن المسلمين اليوم لا يجاهدون! .. ذلك أن المسلمين اليوم لا يوجدون! .. إن قضية وجود الإسلام ووجود المسلمين هي التي حتاج اليوم إلى علاج!

والمنهج الإسلامي – كما قلنا من قبل مرارا – منهج واقعي جاد، يأبى أن يناقش القضايا المعلقة في الفضاء، ويرفض أن يتحول إلى مباحث فقهية لا تطبق في عالم الواقع – لأن الواقع لا يضم مجتمعا مسلما تحكمه شريعة الله، ويصرف حياته، الفقه الإسلامي – ويحتقر الذين يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بمثل هذه المباحث في أقضية لا وجود لها بالفعل ويسميهم (الأرائتيين) 000 الذين يقولون (أرأيت) لو أن كذا وقع فما هو الحكم؟).
إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدء في أول عهد الناس برسالة الإسلام. . . أن يوجد في بقعة من الأرض ناس يدينون دين الحق، فيشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. . ومن ثم يدينون لله وحده بالحاكمية والسلطان والتشريع ويطبقون هذا في واقع الحياة. . . ثم يحاولون أن ينطلقوا في الأرض بهذا الإعلان العام لتحرير الإنسان، ويومئذ – ويومئذ فقط – سيكون هناك مجال لتطبيق النصوص القرآنية والأحكام الإسلامية في مجال العلاقات بين المجتمع المسلم وغيره من المجتمعات، ويومئذ – ويومئذ فقط – يجوز الدخول في تلك المباحث الفقهية، والاشتغال بصياغة الأحكام والتقنين للحالات الواقعة التي يواجهها الإسلام بالفعل لا في عالم النظريات).

ثم يقول: معتذرا عن تفسيره لهذه الآية على الوجه الذي قرره (وإذا كنا قد تعرضنا لتفسير هذه الآية – من ناحية الأصل والمبدأ -، فإنما فعلنا هذا لأنها تتعلق بمسألة اعتقادية وترتبط بطبيعة المنهج الإسلامي، وعند هذا الحد نقف فلا نتطرق، وراءه إلى المباحث الفقهية الفرعية احتراما لجدية المنهج الإسلامي وواقعيته وترفعه على هذا الهزال) ([2]).

أقول: نأسف أشد الأسف لهذا التفسير لكتاب الله من وجوه:

أولا: إغفال معنى الصغار في الجزية الذي فرضه الله في كتابه وأكده رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والخلفاء الراشدون وأئمة الإسلام وعلماء الأمة من محدثين وفقهاء.

ثانيا: تضييع هدف تشريع هذا الصغار، وهو حمل أهل الذمة على الإسلام الذي فيه عزتهم وشرفهم في الدنيا وسعادتهم ونجاتهم من النار التي أعدت للكافرين. . . فأهل النخوة والذين ينشدون العزة والحرية منهم لا يستطيعون البقاء على الصغار، بل سيحفزهم ذلك على الخلاص منه، لا سيما وكثير منهم يعرف أن الإسلام هو الحق، وفيه العزة والسعادة في الدنيا والآخرة.
أما هذا الأسلوب وهذا المنهج الذي ينتهجه سيد قطب، فإنه يغريهم بالبقاء على كفرهم الذي فيه شقاؤهم الأبدي وهلاكهم السرمدي ذلك إن كانوا قد اقتنعوا بما تضمنه هذا الأسلوب.

ثالثا: ماذا يريد سيد قطب بصياغة الأحكام والتقنين؟

أيريد صياغة أحكام وقوانين في أمور قد قررها الله ورسوله وسار الخلفاء الراشدون وأئمة الإسلام في هدي هذا التقرير بما لا يحتاج إلى صياغة أحكام وقوانين جديدة ينشئها سيد قطب وأمثاله؟!

أو يريد صياغة أحكام وقوانين تميع الإسلام وتخالفه وترضي أعداءه، كما يتحدث سيد عن الجزية في ضوء كلام سيرت، وأرنولد من أن الجزية إنما هي في مقابل الخدمة العسكرية وأن الجزية ليست صغارا على أهل الذمة، وأن لهم أن يدفعوا الزكاة بدلا عن الجزية إذا شاؤوا ذلك، وأنه لا مانع أن تضرب الجزية على المسلمين بدلا من الخدمة العسكرية إذا لم يقوموا بهذه الخدمة؟!

وبمثل هذه التشريعات الماسخة للتشريع الإسلامي يرفع سيد قطب وأمثاله عقيرتهم أن عملهم هذا من صميم حاكمية الله والذي يخالفهم يكون كافرا لأنه حكم بغير ما أنزل.

رابعا: في أسلوب سيد في هذا الموضع وفي عشرات المواضع من كتبه قسوة وعنف على المسلمين بتكفيرهم والاستخفاف بهم.

خامسا: استخفافه بالعلم والعلماء والفقه والفقهاء.

انظر إلى قوله: (والمنهج الإسلامي – كما قلنا من قبل مرارا – منهج واقعي جاد يأبى أن يناقش القضايا المعلقة في الفضاء. . . ويحتقر الذين يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بمثل هذه المباحث في أقضية لا وجود لها بالفعل).

وانظر إلى تعاليه في قوله: (وعند هذا الحد نقف فلا نتطرق وراءه إلى المباحث الفقهية الفرعية احتراما لجدية المنهج الإسلامي وواقعيته وترفعه على هذا الهزال).

أليس في هذا صرف للناس وصد لهم عن العلم؟!
أليس في هذا الإرهاب الفكري ما يسوق الكثير إلى الجهل بشريعة الله الذي تحدث عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: “إن بين يدي الساعة أيام الهرج يزول فيها العلم ويظهر فيها الجهل ([3]).

هذا الأسلوب هو الذي ملأ أدمغة الكثير ممن يقدسون سيد قطب، ودفعهم إلى احتقار العلم والعلماء، وإلى تسميتهم بعلماء الورقة لا علماء الحركة، وإلى وصفهم بأنهم علماء الحيض والنفاس، وبأنهم لا يفقهون الواقع، وبأنهم جواسيس وعملاء إلى آخر الطعون والتهم التي يوجهونها إلى أهل العلم وطلابه.

سادسا: كان في وقته دولة مسلمة في الجزيرة العربية قائمة على العقيدة الصحيحة والمنهج الإسلامي الصحيح المنبثقين من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسها أمراء وعلماء مسلمون يطبقون شريعة الله ويقيمون دين الله الحق، فلماذا يتجاهلهم سيد ولا يعترف بهم؟

فهل يحتقرهم هم أيضا لأنهم يشغلون أنفسهم ويشغلون الناس بمثل هذه المباحث. . . إلخ؟

ليتك عشت حتى ترى تلاميذك اليوم كيف يطبقون الإسلام بعد أن قامت لهم دول هنا وهناك، فيصدق عليهم المثل: (إنك لا تجني من الشوك العنب)، ويصدق عليهم (فاقد الشيء لا يعطيه). . والباقون في انتظار هذا المصير الذي لا محيد لهم منه ولا محيص، سنة الله في المناهج الفاسدة ولن تجد لسنة الله تبديلا.

فأفيقوا يا معشر العقلاء من المسلمين!

سابعا: إذا تحدث سيد قطب عن الجهاد فلا يجوز عنده البحث في الغنائم ([4]) إلى أن تقوم دولته ([5]) لأن الحديث سيجره إلى حرمان أهل الذمة من المشاركة في الغنائم وسيجره إلى الحديث عن الاسترقاق والتسري بنساء المغلوبين من المشركين وذلك أمر كريه ينافي كرامة الإنسان في نظره، لأنه من دعاة الحرية والمساواة والعدالة ([6]).

وإذا تحدث عن الجزية، رأيت منه ما سبق، ولا يدخل في التفاصيل، بل يجب تعليقها ويجب الهجوم على الفقهاء الذين يبحثون في هذه الأمور التي تتحدث عن إذلال أهل الذمة وهو يريد إكرامهم وتدليلهم لا تذليلهم.

([1]) الجزية في القرآن صغار وعقوبة على كفرهم، وفي مقابل الكف عن دمائهم، راجع “أحكام أهل ألذمة” (1/ 2 2 – 23)، و”عون المعبود” (8/ 288)، و”تفسير القرطبي ” (8/ 133).

([2]) “في ظلال القرآن اا (3/ 33 6 1 – 4 63 1)

([3]) صحيح البخاري ” (كتاب الفتن، باب ظهور الفتن، حديث 6656)، تحقيق البغا، ومسلم في (أشراط الساعة، حديث 2949).

([4]) انظر كتاب ظلال القرآن (3/ 1518 – 1519).

([5]) هذا يشبه مذهب الإمامية في تعطيل الأحكام كالجهاد والجمعة والجماعة حتى يخرج المهدي المنتظر.

([6]) انظر (ص 122) من كتابه ((معركة الإسلام والرأسمالية)) حيث دعا إلى هذه الشعارات الماسونية.

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :71372رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *