الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / مساواة سيد قطب بين أهل الزكاة وأهل الجزية

مساواة سيد قطب بين أهل الزكاة وأهل الجزية

عدد المشاهدات :3204

مساواة سيد قطب بين أهل الزكاة وأهل الجزية

ويقول سيد قطب مؤكدا هذا المنهج الذي لا يحيد عنه:

(فإذا استسلم من يطلب السلام، فهؤلاء هم (الذميون)، أي الذين أعطاهم الإسلام ذمته وعهده لحمايتهم ورعايتهم، وهؤلاء لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين بنص الإسلام الصريح، فأما ما يؤخذ منهم من الجزية، فهو مقابل ما يؤديه المسلمون من الزكاة، مساهمة في نفقات الدولة التي تحميهم كما تحمى رعاياها المسلمين سواء، والتي توفر لهم العدل المطلق بلا تفرقة ولا تمييز، وتحقق لهم ضماناتهم وتأميناتهم في حالة المرض والعجز والشيخوخة.

ولم يشأ الإسلام أن يجبرهم على أداء الزكاة، لأن الزكاة عبادة إسلامية خاصة وحرية الاعتقاد التي يكلفها ([1]) الإسلام للأفراد تمنعه أن يكره الذميين على أداء عبادة إسلامية.

ولم يشأ كذلك أن يجبرهم على الجندية في الصف المسلم، لأن المسلم إنما يجاهد في سبيل الله عبادة لله، لهذا يأخذ منهم الضريبة تحت عنوان الجزية لا تحت عنوان الزكاة، مراعاة لهذا المبدأ العام (لا إكراه في الدين)، فإذا شاءوا برضاهم واختيارهم أن يؤدوا ضريبة الزكاة كالمسلمين بدل الجزية كان لهم ذلك عن رضاء واختيار، وقد اختارت قبيلة بني تغلب على عهد عمر أن تؤدي الزكاة لا الجزية فأدتها على هذا الأساس).

أقول:

أولا: ليست الغاية من إعطائهم العهد هو رعايتهم وحمايتهم، إنما الحماية من توابع العهد الذي يعقد بينهم وبين المسلمين، والفرق بين الأمرين واضح جدا.

وقوله: (لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين بنص الإسلام الصريح) تقول على الإسلام صريح، وراجع ما سبق من الأدلة والشروط العمرية.
ثانيا: قوله: (فأما ما يؤخذ من الجزية، فهو مقابل ما يؤدي المسلمون من الزكاة) فمغالطة مكشوفة يبرأ منها الإسلام، فإن الزكاة تزكي أهلها المسلمين وتطهرهم، وهي من أركان دينهم، والجزية شعار الذل والصغار، فكيف تقابل هذا الركن العظيم والشعار الرفيع (الزكاة)، ولا أريد الاستطراد في مناقشة النص المليء بالباطل، فقد مضى له نظائر قد ناقشتها.

والغريب هنا قوله بتخيرهم بين الجزية والزكاة استنادا إلى قضية بني تغلب التي اعتمد فيها على النصراني سيرت وأرنولد، وسيظهر لك زيف كلامه.

روى أبو عبيد بإسناده إلى زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة، أنه سأل عمر بن الخطاب وكلمه في نصارى بني تغلب، قال: وكان عمر قد هم أن يأخذ منهم الجزية، فتفرقوا في البلاد، فقال النعمان بن زرعة لعمر: يا أمير المؤمنين! إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال، إنما هم أصحاب حروث ومواش، ولهم نكاية في العدو، فلا تعن عدوك عليك بهم، قال: فصالحهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة واشترط أن لا ينصروا أولادهم. . .

قال: (حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: لا نعلم في مواشي أهل الكتاب صدقة إلا الجزية التي تؤخذ منهم، غير أن نصارى بني تغلب الذين جل أموالهم المواشي يؤخذ من أموالهم الخراج، فيضعف عليهم حتى تكون مثلي الصدقة أو أكثر) ([2]).

قال أبو عبيد: (فكذا ما يؤخذ من بني تغلب، وهو الضعف على صدقة المسلمين، ثم وجه فعل عمر رضي الله عنه وساق آثارا في سداد رأيه وتوفيق الله له. . .).
ثم قال: (وإنما استجازها فيما نرى وترك الجزية مما رأى من نفارهم وأنفهم منها، فلم يأمن شقاقهم واللحاق بالروم، فيكونوا ظهيرا لهم على أهل الإسلام وعلم أن لا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم مع استبقاء ما يجب عليم من الجزية، فأسقطها عنهم واستوفاها منهم باسم الصدقة حين ضاعفها عليهم، فكان في ذلك رتق ما خاف من فتقهم مع الاستبقاء لحقوق المسلمين في رقابهم وكان مسددا) ([3]).

ثم قال: (فالذي يؤخذ من بني تغلب، وإن كان يسمى صدقة، فليس بصدقة لما أعلمتك، ولا يوضع في الأصناف الثمانية التي في سورة براءة، إنما موضعها موضع الجزية) ([4]).

فيؤخذ من هذا أن الجزية صغار نفر منه عرب بني تغلب وانفوا منه.

2 – إن عمر إنما أسقط عنهم لفظ الجزية، ولسداده وبعد نظره أخذها منهم جزية مضاعفة وإن أسقط عنهم لفظها.

3 – إن عمر لم يفعل ذلك من منطلق أن لأهل الذمة الخيار بين أن يؤدوا الجزية أو الزكاة، وإنما فعل ذلك خشية من شقاق بني تغلب واللحاق بالروم، فيكونون ظهيرا لهم على المسلمين، فدرأ هذا الضرر بإسقاط لفظ الجزية عنهم وإطلاق لفظ الصدقة على الجزية المضاعفة.

4 – ما أخذه عمر منهم هو في حقيقته خراج كما قال الزهري، وجزية كما قال أبو عبيد، والدليل على ذلك أنها لا تصرف في مصارف الزكاة الثمانية المنصوص عليها في سورة براءة.

والآن قارن بين ما يقوله سيد قطب وبين ما حوت قصة بني تغلب من فقه، لترى بطلان ما يقوله هذا الرجل، وأن تعلقه بقصة بني تغلب تعلق باطل، وأن أهل الذمة ليسوا مخيرين بين الجزية والزكاة ولا كرامة لهم.

ويعجب المسلم كيف يسهل تحريف الإسلام على بعض الناس، وبمثل هذه الأفاعيل حرفت الكتب السماوية ووجد للمحرفين أتباع يعبدونهم ويقدسونهم ويقتلون من أجلهم الأنبياء والذين يأمرون الناس بالقسط والثبات على دين الله المنزل، فاللهم رحماك. . .
فرح سيد قطب بما تلقاه عن سيرت وأرنولد النصراني من أن الجزية إنما فرضت في مقابل الخدمة العسكرية:

فقال نقلا عنه: (ومن الواضح أن أية جماعة مسيحية كانت تعفى من أداء هذه الضريبة إذا ما دخلت في خدمة الجيش الإسلامي، وكان الحال على هذا النحو مع قبيلة الجراجمة، وهي قبيلة مسيحية كانت تقيم بجوار أنطاكية، سالمت المسلمين وتعهدت أن تكون عونا لهم، وأن تقاتل معهم في مغازيهم على شريطة ألا تؤخذ بالجزية، وأن تعطى نصيبها من الغنائم، ولما اندفعت الفتوح الإسلامية إلى شمال فارس في سنة 22 هـ، أبرم مثل هذا الحلف مع إحدى القبائل التي تقيم على حدود هذه البلاد، وأعفيت من أداء الجزية في مقابل الخدمة العسكرية).

ومضى ينقل عن هذا الرجل النصراني ضرب الأمثلة من هذا النوع في العصور المتأخرة، إلى أن قال (ص 59): (ومن جهة أخرى، أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية، على الرغم من أنهم كانوا على الإسلام، وفرضت عليهم الجزية في نظير ذلك، كما فرضت على المسيحيين.

ثم قال سيد معلقا: (مما يثبت بصفة قاطعة صفة الجزية على النحو الذي قررناه من قبل، ويبطل كافة الترهات الباطلة التي يثيرها المغرضون حول هذه المسألة بصفة خاصة، وحول علاقات الإسلام بمخالفيه في العقيدة ممن يعيشون في كنفه وتظللهم رايته وعدالته) ([5]).

أقول: ليعجب العاقل من موقف سيد من هذا النقل من وجوه:
أولا: هذا التقبل لهذا النقل من هذا النصراني دون أي دليل ولا تأكد، هل هو ينقل عن ثقات المسلمين أو عن دجاجلة النصارى لغرض من الأغراض الدينية والسياسية، وإذا كان نقله عن مصدر إسلامي، فهل له إسناد صحيح أو حسن أو في إسناده ثقة ضابط أو ضعيف أو كذاب أو متهم بالكذب، فإن كان فيه ضعيف أو كذاب رفضه، وإن كان ثابتا نظر من هو قائد المسلمين الذي وافقهم على إسقاط الجزية وإشراكهم مع المسلمين في الغنائم، فإن الموضوع حساس ومهم جدا، ولا يجوز تناوله بهذه السهولة، ذلك لأنه يخالف الكتاب والسنة، ويخالف الشروط العمرية التي اتفق على قبولها والأخذ بها الخلفاء والعلماء والفقهاء من هذه الأمة المسلمة.

فإن كان الذي فعل ذلك مجتهدا، حوكم عمله هذا واجتهاده برده إلى الله والرسول كما قال تعالى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ([6]).

فإن كان موافقا لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل، وإن كان مخالفا، رد.

وإن كان غير مجتهد ومتبعا لهواه؟ رد تصرفه ولا كرامة.

وغالبا أن مثل هذا التصرف لا يحصل إلا من الجهل والهوى، فمن يفهم كتاب الله ويعلم معاملة رسول الله للمشركين وأهل الكتب، فسيجد أن هذا المجتهد قد أخطأ دون شك، لأن الله لم يفرض على أهل الكتاب إلا الجزية لإذلالهم وإصغارهم، لأنهم أعداؤه، وقد رفضوا دينه الحق، وسيجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأخذ منهم إلا الجزية، ولم يخيرهم بينها وبين الخدمة العسكرية، عملا بمقتضى الآية، وهو المبين لمراد الله تبارك وتعالى، والصحابة والخلفاء وأئمة الإسلام لم يذكروا إلا الجزية، وهي واحد من شروط كثيرة لإنزال أهل الذمة ووضعهم حيث وضعهم الله.
وكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وأقوال علماء الإسلام لم يرد فيها جميعا أن الجزية فرضت على أهل الكتاب في مقابل الخدمة العسكرية، فهذا لا يعرفه الإسلام ولا شرعه، وإنما تشرعه الأنظمة العلمانية انطلاقا من قواعدها الديمقراطية والوطنية.

ثانيا: بعد أن آمن سيد بأن الجزية إنما فرضت على القادرين من الذكور من أهل الذمة مقابل الخدمة العسكرية، آمن بجواز ضرب الجزية على المسلمين كما فرضت على المسيحيين وفرح بذلك وساقه مساق الإقرار به والتقرير له.

ثالثا: من أعجب تفاعلاته مع كلام هذا النصراني قوله: (مما يثبت بصفة قاطعة صفة الجزية على النحو الذي قررناه)، أي من أنها في مقابل الخدمة العسكرية وأنه يستوي فيها أهل الذمة والمسلمون!!

وقد علم من منهجه أنه لا يسلم بقطعية كثير من النصوص القرآنية ولا يقبل أخبار الآحاد الصحيحة ولو تلقتها الأمة بالقبول ودانت بها وبنت عليها عقائدها، بلى هو لا يبني عقائده على الأحاديث المتواترة.

وليس هذا بجديد من سيد ولا غريب، فهو ينظر في كثير من المناسبات إلى مقررات وكلام الفلاسفة الغربيين بهذا المنظار ويتقبلها بثقة عمياء!!

واقرأ له في “الظلال ” ما يتعلق بالعلوم الكونية تجد صدق ما أقول.

سيد يرى أن الإسلام يدلل الأقليات غير الإسلامية:

يقول: (إنني أحسب مجرد التخوف من حكم الإسلام على الأقليات القومية في بلاده نوعا من التجني الذي لا يليق، فما من دين في العالم وما من حكم في الدنيا ضمن لهذه الأقليات حرياتها وكراماتها وحقوقها القومية كما صنع الإسلام في تاريخه الطويل.

بل ما من حكم دلل الأقليات فيه كما دلل الإسلام من تقلهم أرضه من أقليات لا الأقليات القومية التي تشارك شعوبه في الجنس واللغة والوطن، بل الأقليات الأجنبية عنه وعن قومه) ([7]).
ولقد حاربوا محمدا صلى الله عليه وسلم منذ صدع بكلمة لا اله إلا الله محمد رسول الله قبل قيام دولة الإسلام وقبل إعلان الجهاد وقبل أن ينتصر عليهم الإسلام ويفرض عليهم الجزية.

ولقد نزل قول الله تعالى: {وَلنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى} قبل أن تفرض عليهم الجزية وقبل أن يصطدم بالنصارى في المعارك.

نعم قد يرضون عمن يميع لهم الإسلام ويمدح لهم ديانتهم ويسميها بالرسالات السماوية رغم أنها قد أصبحت أرضية وثنية ويبادلهم ودا بود وحبا بحب.

([1]) كذا في الأصل والظاهر “يكفلها”، “السلام العالمي ” (ص 175 – 176)

([2]) “ألأموال ” لأبي عبيد (ص 721 – 722)، وانظر “الأموال أيضا (ص 39 – 42)

([3]) “الأموال ” (ص 722 – 723).

([4]) ” الأموال ” (ص 723).

([5]) نحو مجتمع إسلامي (ص 123 – 124)

([6]) النساء 59.

([7]) “معركة الإسلام (ص 89).

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :71379رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *