الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / قول سيد قطب بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة عن الإرادة

قول سيد قطب بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة عن الإرادة

عدد المشاهدات :4005

قول سيد قطب بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة عن الإرادة

مسألة إنكار كلام الله والقول بأن القرآن مخلوق من البدع الكبرى التي كفر بها السلف، وهي مشهورة جداً بين فرق المسلمين، ومن يجهل من طلبة العلم ماجرى للإمام أحمد وأهل السنة على أيدي الجهمية والمعتزلة في خلافة المأمون والمتعصم والواثق؟! وسيد قطب لا يجهل هذا الحدث الكبير.

يقول في “الظلال” (1) في تفسير قوله تعالى:] وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [(2):

“هنا نصل إلى فكرة الإسلام التجريدية الكاملة عن الله سبحانه، وعن نوع العلاقة بين الخالق وخلقه، وعن طريقة صدور الخلق عن الخالق، وهي أرفع وأوضح تصور عن هذه الحقائق جميعاً … لقد صدر الكون عن خالقه عن طريق توجه الإرادة المطلقة القادرة: (كن)، فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن، على هذه الصورة المقدرة له، بدون وسيط من قوة أو مادة، أما كيف تتصل هذه الإرادة التي لا نعرف كنهها بذلك الكائن المراد صدوره عنها؛ فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه؛ لأن الطاقة البشرية غير مهيأة لإدراكه”.

ويقول في كتابه “السلام العالمي والإسلام” (3):

“عن إرادة هذا الإله الواحد يصدر الكون بطريق واحد،] إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [(4)؛ فلا واسطة بين الإرادة الموجدة والكون المخلوق، ولا تعدد في الطريقة التي يصدر بها هذا الكون كله عن الخالق الواحد، إنها مجرد الإرادة التي يعبر عنها القرآن بكلمة (كن)، وتوجه هذه الإرادة كافٍ وحده لصدور الكون عنها”. (5)

ويقول في الظلال (6):

“فقوله تعالى إرادة، وتوجه الإرادة ينشئ الخلق المراد”.
ويقول عن القرآن في كتابه “الظلال” (7):

“والشأن في هذا الإعجاز هو الشأن في خلق الله جميعاً، وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس … إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات، فإذا أخذ الناس هذه الذرات؛ فقصارى ما يصوغون منها لبنة أو آجرة أو آنية أو أسطوانة أو هيكل أو جهاز، كائناً في دقته ما يكون … ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة، حياة نابضة خافقة، تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز … سر الحياة، ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ولا يعرف سره بشر”.

ويقول بعد أن تكلم عن الحروف المقطعة:

“ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها مثل هذا الكتاب؛ لأنه من صنع الله، لا من صنع الإنسان”. (8)

ويقول في تقرير أن القرآن مصنوع (أي: مخلوق):

“وكما أن الروح من الأسرار التي اختص الله بها؛ فالقرآن من صنع الله الذي لا يملك الخلق محاكاته، ولا يملك الجن والإنس – وهما يمثلان الخلق الظاهر والخفي – أن يأتوا بمثله، ولو تظاهروا وتعاونوا في هذه المحاولة،] قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [(9)؛ فهذا القرآن ليس ألفاظاً وعبارات (10) يحاول الإنس والجن أن يحاكوها، إنما هو كسائر مايبدعه الله يعجز المخلوقون أن يصفوه، فهو كالروح من أمر الله، لا يدرك الخلق سره الشامل الكامل، وإن أدركوا بعض أوصافه وخصائصه وآثاره”. (11)

ويقول في تفسير سورة (ص):

“هذا الحرف … (صاد) … يقسم به الله سبحانه كما يقسم بالقرآن ذي الذكر، وهذا الحرف من صنعة الله تعالى، فهو موجده صوتاً في حناجر البشر، وموجده حرفاً من حروف الهجاء التي يتألف من جنسها التعبير القرآني، وهي في متناول البشر، ولكن القرآن ليس في متناولهم؛ لأنه من عند الله، وهو يتضمن صنعة الله التي لا يملك البشر الإتيان بمثلها لا في القرآن ولا في غير القرآن.
وهذا الصوت … (صاد) … الذي تخرجه حنجرة الإنسان، إنما يخرج هكذا من هذه الحنجرة بقدرة الخالق المبدع الذي صنع الحنجرة، وما تخرجه من أصوات، وما يملك البشر أن يصنعوا مثل هذه الحنجرة الحية التي تخرج هذه الأصوات، وإنها لمعجزة خارقة لو كان الناس يتدبرون الخوارق المعجزة في كل جزئية من جزئيات كيانهم القريب”. (12)

فصرح بأن هذا الحرف من صنعة الله، فالله موجده صوتاً وموجده حرفاً، مع أن التحدي ليس بخلق الحروف ولا بصناعتها، وصرح بأن القرآن صنعة الله المعجزة، وشبهه بالمخلوقات كلها، إذ هي تشارك القرآن في كونه وإياها جميعاً خوارق معجزة!!.

ويؤكد ما سبق إنكاره أن الله يتكلم، حيث قال في تفسير قول الله تعالى:] فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ [. (13)

“نودي بهذا البناء للمجهول، فما يمكن تحديد مصدر النداء، ولا اتجاهه، ولا تعيين صورته، ولا كيفيته، ولا كيف سمعه موسى أو تلقاه؛ نودي بطريقة ما، فتلقى بطريقة ما، فذلك من أمر الله، نؤمن بوقوعه، ولا نسأل عن كيفيته؛ لأن كيفيته وراء مدارك البشر”. (14)

هكذا يقول: “بالبناء للمجهول، فما يمكن تحديد مصدر النداء”!! وهذا قول من لا يؤمن ولا يتصور أن الله كلم موسى تكليماً؛ لأنه لا يؤمن بأن هذا النداء من الله.

وهل هو يجهل تصريح الله تعالى بقوله:] وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [(15)، وقوله تعالى:] إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى [(16)، وقوله تعالى:] ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه [(17)؟!

ويقول إنكاراً لتكليم الله موسى عليه السلام، وإنكاراً لسماع موسى لكلام الله حقيقة:

“ولا ندري نحن كيف … ولا ندري كيف كان كلام الله سبحانه لعبده موسى … ولا ندري بأي حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله … فتصوير هذا على وجه الحقيقة متعذر علينا نحن البشر”.
وهذا تشكك وتشكيك بالغ النهاية، وفيه تأييد لمذاهب أهل الضلال من الجهمية والمعتزلة والخوارج، وخذلان لمذهب أهل الحق، أهل السنة والجماعة.

ثم ما فائدة تمويهه بقوله: “فذلك من أمر الله نؤمن بوقوعه”، وهو لا يؤمن بأن مصدره هو الله، ولا يؤمن بسماع موسى لكلام الله

وهكذا أوقع نفسه ومن يتأثر بكلامه في هوة البدعة والجحود لكلام الله تعالى.

وعلى كل حال؛ فالرجل مغرق في إنكار أن الله يتكلم، مغرق في القول بخلق القرآن.

وهل قالت الجهمية والمعتزلة أكثر من هذا؟!.

وهل فطرة سيد السليمة قادته إلى هذا القول الخطير في القرآن العظيم وفي كلام الله عموماً؟!.

وهل سيد يعيش في غابات وأدغال وكهوف، فلم يسمع بتلك الفتنة الكبيرة التي دارت رحاها على أهل السنة ردحاً من الزمن أيام المأمون والمعتصم والواثق، يقود تلك الفتنة، ويؤجج نيرانها الجهمية والمعتزلة على الأمة الإسلامية التي يقودها أئمة السنة والحق، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل.

تلك الفتنة التي يتردد صداها إلى يومنا هذا في مسامع كثير من صغار طلاب العلم وعوام المسلمين عربهم وعجمهم.

ألا إنه انحياز من سيد قطب إلى صفوف خصوم أهل الحق والسنة، إلى أهل البدع الكبرى من الجهمية والخوارج والمعتزلة، الذين يقولون تلك المقولة الضالة: “إن القرآن مخلوق”.

أقوال السلف فيمن يقول بخلق القرآن:

قال الإمام البخاري في “خلق أفعال العباد” (18):

“وحلف يزيد بن هارون بالله الذي لا إله إلا هو” من قال: القرآن مخلوق؛ فهو كافر.

وقيل لأبي بكر بن عياش: إن قوماً ببغداد يقولون: إنه مخلوق. فقال: ويلك! من قال هذا؟ على من قال القرآن مخلوق لعنة الله، وهو كافر، ولا تجالسوهم.

وقال ابن مقاتل: سمعت ابن المبارك يقول: من قال:] إنني أنا الله لا إله إلا أنا [: مخلوق؛ فهو كافر”.

وقال البخاري: “وقال ابن عيينة ومعاذ والحجاج بن محمد ويزيد بن هارون وهاشم بن القاسم والربيع بن نافع الحلبي ومحمد بن يوسف وعاصم بن علي بن عاصم ويحيى بن يحيى وأهل العلم: من قال القرآن مخلوق؛ فهو كافر”! (19)

وقال وكيع بن الجراح: “لا تستخفوا بقولهم: القرآن مخلوق؛ فإنه من شر قولهم، وإنما يذهبون إلى التعطيل”. (20)

وقد قتل الجعد بن درهم بسبب قوله: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى تكليماً.

وأقوال السلف كثيرة في هذا.

([1]) (1/ 106).

([2]) البقرة: 117.

([3]) (ص 15).

([4]) يس: 82.

([5]) (ص 15).

([6]) (14/ 22).

([7]) “في ظلال القرآن” (1/ 38).

([8]) “في ظلال القرآن” (5/ 2719).

([9]) الإسراء: 88.

([10]) قوله على القرآن: “ليس ألفاظاً وعبارات”: هو كقول الأشعرية: “إن القرآن ليس بحرف ولا صوت”، والأشعرية تعترف بالكلام النفسي لله، وسيد لا يقول بذلك، بل يقول: “إن كلام الله هو الإرادة”.

([11]) “في ظلال القرآن” (4/ 2249 – 2250).

([12]) في ظلال القرآن (5/ 3006 – 3007).

([13]) طه: 11 – 12.

([14]) “في ظلال القرآن” (4/ 2330 – 2331).

([15]) النساء: 164.

([16]) النازعات: 16.

([17]) الأعراف: 143.

([18]) (ص 14 – 15 – نشر الدار السلفية).

([19]) “خلق أفعال العباد” (ص 25).

([20]) “خلق أفعال العباد” (ص 26).

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :37818رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *