الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / فكرة العالمية أو الأخوة الإنسانية عند سيد قطب

فكرة العالمية أو الأخوة الإنسانية عند سيد قطب

عدد المشاهدات :3445

فكرة العالمية أو الأخوة الإنسانية عند سيد قطب


ويتحدث عن الهندوكية فلا يقدح فيها من جهة شركها ووثنيتها، وإن كان في بعض الأحيان قد يطعن في هذه الوثنية لكن حديثه هنا عجيب إنه يدعو إلى فكرة الماسونية فكرة الأخوة الإنسانية.

فيقول ([1]): (والمجتمع الهندوكي بدوره يكاد يكون مجتمعا مقفلا كالمجتمع اليهودي، لأن تقسيم البرهمية للطبقات في هذا المجتمع وعزلها كل طبقة عن الأخرى عزلا كاملا، بحيث لا يمكن اجتياز الفواصل الحديدية بين هذه الطبقات. . . لا يسمح لغير الهنود أن يعتنقوا الديانة الهندوكية ولا يسمح بفكرة الأخوة العالمية، التي تهيئ لقيام مجتمع عالمي مفتوح للجميع).

وهكذا يرى أكبر نقص في المجتمع الهندوكي أنه مجتمع مقفل وكذلك المجتمع اليهودي، وكأنه يشجعهما على الانفتاح ونشر ديانتهما في العالم انطلاقا من حرية الأديان.

وكذلك يأخذ على الهندوكية أنها لا تسمح بفكرة الأخوة العالمية التي يدعو إليها سيد قطب.

ويقول سيد قطب عن المسيحية:

(أما المجتمع المسيحي -إذا صح هذا التعبير – فالمسيحية لا تحكمه، والنظم فيه لا تعتمد على العقيدة، إنما تعتمد أساسا على القوانين الوضعية، حيث تقف العقيدة في عزلة عن المجتمع، تحاول أن تعمل في ضمير الفرد وحده، وبدهي أن قوة النظام الاجتماعي لا تمهل الفرد يستمع إلى صوت الضمير ما لم يكن هذا النظام ذاته قائما على العقيدة التي تعمر الضمير. . . وهذا الانعزال بين العقيدة والنظام في العالم الذي يسمى العالم المسيحي، يحرم الفرد ذلك التناسق الذاتي بين ضميره والنظام الذي يعيش في ظله، كما يحرم المجتمع تلك الإيحاءات السامية المنبعثة من روح الدين. . . وعلى أي حال فهذا موقف اضطراري في العالم المسيحي، لأن المسيحية لم تتضمن شريعة تنظم المجتمع عن طريق القانون، ومن هنا ذهبت كل دعوات المسيحية إلى السماحة الإنسانية هباء، وغلبتها روح الاستعمار الخبيثة، المنبعثة من النعرة القومية المنعزلة داخل الحدود الجغرافية) ([2]).

أقول: لو حكمت العقيدة الإسلامية سيد قطب لما تحدث بهذا الأسلوب عن الهندوكية المغرقة في عبادة كل شيء من الأوثان والقردة والفروج والأشجار والأحجار والحيات والديدان.

فأي دمار سيحيق بالبشرية لو انفتحت على العالم تنشر عقيدتها وتدعو إلى الأخوة العالمية تخلصا مما يأخذه سيد قطب وأمثاله من دعاة الإنسانية، وخروجا من معرة هذا العار؟!

ولو حكمت العقيدة الإسلامية سيد قطب لما تحدث عن النصرانية الكافرة بهذا الأسلوب السمج المتملق – إن أحسنا به الظن -.

إنه لا يتحدث عن الدين الذي جاء به رسول الله عيسى صلى الله عليه وسلم المتضمن للتوحيد والمؤيد للتوراة المنزلة على موسى صلى الله عليه وسلم وفيهما جميعا الهدى والنور والتشريع المنظم للحياة.

قال تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} ([3]) بعد أن قال عن التوراة: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ} ([4])

وإنما يتحدث سيد قطب عن الديانة النصرانية المحرفة عن التوحيد إلى الوثنية وعن الحكم بما أنزل الله إلى الحكم بالطاغوت.

فماذا يريد سيد قطب بقوله في حديثه عن المجتمع المسيحي: (فالمسيحية لا تحكمه والنظم فيه لا تعتمد على العقيدة إنما تعتمد أساسا على النظم الوضعية)؟!

فلو اعتمدت نظمها على عقيدتها الوثنية التي قال الله في شأنها {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} ([5])

وقال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} ([6])، وقال: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا} ([7])، ولو اعتمدت نظمها على عقيدتها الوثنية بنص القرآن أتكون على حق وسداد وهدى؟

إن عدم التزامهم بهذه العقيدة قد يكون أخف خبثا وشرا.

وماذا استفاد العالم الإسلامي وغيره من التعصب الوثني الصليبي؟ وماذا لقيت أسبانيا من هذا التعصب الخبيث المتوحش؟!

سيد قطب يعرف هذا تماما.

ماذا يريد سيد قطب بقوله: (وبدهي أن قوة النظام الاجتماعي لا تمهل الفرد ليستمع إلى صوت الضمير ما لم يكن هذا النظام ذاته قائما على العقيدة التي تعمر الضمير)؟!

فهل العقيدة النصرانية تعمر الضمير أو تفسده وتخربه وتملؤه حقدا وتعصبا ضد الحق والهدى والنور الذي أُرْسِل به محمد صلى الله عليه وسلم إلى العالمين، فأبته هذه العقيدة وحاربته أشد من اليهود والفرس والهندوك وغزت المسلمين في عقر دارهم وتعاونت مع كل الأديان ضدهم وضد إسلامهم.

ماذا يريد سيد بقوله: (وهذا الانعزال بين العقيدة والنظام في العالم الذي يسمى العالم المسيحي يحرم الفرد ذلك التناسق الذاتي بين ضميره والنظام الذي يعيش في ظله، كما يحرم المجتمع تلك الإيحاءات السامية المنبعثة من روح الدين)؟!

فهل يحصل للفرد النصراني عابد الصليب تناسق بين ضميره والنظام الناشىء على تلك العقيدة أو أنهما جميعا تورثانه التمزق والضياع والقلق ([8])؟!

وما هي الإيحاءات السامية المنبعثة من روح الدين الوثني الصليبي؟! أليست الفجور والبغضاء والحقد على محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته وأمته؟!

ثم بعد هذا الكلام التائه يخبط في تيه التناقض فيقول: وعلى أي حال فهذا موقف اضطراري في العالم المسيحي، لأن المسيحية لم تتضمن تنظيم المجتمع عن طريق القوانين).

فهل هذا إعذار للمسيحيين عن تشريعهم لقوانين لا ترتبط بعقيدتهم فهم بذلك معذورون أمام الله؟ وهل المسيحية التي لم تتضمن قوانين هي المنزلة أو المبدلة؟

إن كان يقصد المنزلة وهو المتبادر، فهذا أمر خطير يصادم قول الله: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ} ([9])، ثم هم ملزمون بالأحكام المنزلة في التوراة ثم القرآن.

وإن كان يقصد المسيحية الوثنية المبدلة فما فائدة هذا الكلام الباطل الذي يغضب الله عز وجل والذي يدل على الفساد العقائدي والهوى السياسي وهما أمران خطيران كثيرا ما يجران من أصيب بهما إلى المهالك.

بل يذهب سيد قطب إلى أبعد من هذا فيصف النصرانية المبدلة بالسماحة والطهر فيقول:

وكثيرا ما ذهبت إلى هذه الكنائس واستمعت إلى الوعاظ في الكنيسة وإلى الموسيقى والتراتيل والأدعية، وكثيرا ما استمعت إلى إذاعة الآباء في محطات الإذاعة في الأعياد المسيحية. . . . دائما يحاول الآباء أن يعقدوا الصلة بين قلب الفرد وبين الله، ولكن واحدا منهم لم أسمعه يقول كيف يمكن أن يكون مسيحيا في واقع الحياة اليومية، ذلك أن المسيحية إنما هي مجرد دعوة للتطهير الروحي، ولم تتضمن تشريعا للحياة الواقعة بل تركت ذلك لقيصر.

وكان من أثر هذا في العالم المسيحي أن أصبحت المسيحية في جانب والحياة الواقعة في جانب، وعلى توالي الأزمان أصبحت المسيحية محصورة داخل الكنيسة والحياة من حولها أبعد ما تكون عن روحها السمحة المتطهرة، فلما نشطت الكنيسة في السنوات الأخيرة للاتصال بالمجتمع من جديد لم يكن همها أن ترفع الناس إليها، بل كانت طريقها أن تهبط هي إلى الناس. 00) ([10])

هكذا يصور سيد قطب النصرانية المحرفة الوثنية النجسة عقائدها المؤلهة للبشر بأنها دعوة إلى التطهر الروحي، وأن روحها سمحة متطهرة، ولا مؤاخذة على الكنيسة إلا أنها أهملت السياسة ووضع القوانين التي تحكم الحياة.

وهذا يذكر القارئ بمدح سيد للصوفية أهل وحدة الوجود من حيث عقيدتهم الوحدوية، ومؤاخذته لهم من جهة تقصيرهم في الجانب السياسي في الإسلام فقط.

وكل هذه الضلالات يجب على الأمة أن تحني رؤوسها أمام عظمة سيد وأن تتلمس له التأويلات والمعاذير، أما السلفي فيا ويله إن أخطأ، بل يا ويله إن قال الحق وبرهن عليه بالأدلة والبراهين الواضحة.

([1]) نحو مجتمع إسلامي (ص 132).

([2]) نحو مجتمع إسلامي (ص 132 – 133).

([3]) المائدة 47.

([4]) المائدة 44.

([5]) المائدة 72.

([6]) المائدة 73.

([7]) مريم: 89 – 93

([8]) لقد كانت القوانين في الديانة النصرانية مرتبطة بعقيدتها وكان النصارى واليهود يستمدون عقيدتهم وقوانينهم في ان واحد من أحبارهم ورهبانهم كما قال تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}، ومع هذا الارتباط بين العقيدة والقانون فقد كفرهم الله واعتبرهم مشركين، فأين التوحيد والطهر؟ وأين التناسق الذاتي بين ضمير الفرد والنظام الذي يعيش في ظله؟ أليس تناسقا بين كفر وكفر؟

([9]) المائدة 47.

([10]) معركة الإسلام والرأسمالية” (ص 56 – 57).

____________
منقول من كتاب العواصم مما في كتب سيد قطب من القواصم
للشيخ ربيع المدخلي حفظه الله

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :94919رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *