الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / عدم وضوح الربوبية والألوهية عند سيد قطب وفي ذهنه

عدم وضوح الربوبية والألوهية عند سيد قطب وفي ذهنه

عدد المشاهدات :2534

عدم وضوح الربوبية والألوهية عند سيد قطب وفي ذهنه

قال سيد قطب في تفسير سورة هود:

“فقضية الألوهية لم تكن محل خلاف، وإنما قضية الربوبية هي التي كانت تواجهها الرسالات، وهي التي تواجهها الرسالة الأخيرة، إنها قضية الدينونة لله وحده بلا شريك، والخضوع لله وحده بلا منازع، ورد أمر الناس كلهم إلى سلطانه وقضائه وشريعته وأمره؛ كما هو واضح من هذه المقتطفات من قطاعات السورة جميعاً”. (1)

ويقول كذلك في نفس السورة:

“وما كان الخلاف على مدار التاريخ بين الجاهلية والإسلام، ولا كانت المعركة بين الحق والطاغوت، على ألوهية الله سبحانه للكون، وتصريف أموره في عالم الأسباب والنواميس الكونية، إنما كان الخلاف وكانت المعركة على من يكون هو رب الناس، الذي يحكمهم بشرعه، ويصرفهم بأمره، ويدينهم بطاعته؟ “. (2)

ويقول في سورة إبراهيم: “ولا يفوتنا أن نلمح تكرار إبراهيم عليه السلام في كل فقرة من فقرات دعائه الخاشع المنيب لكلمة (ربنا) أو (رب)؛ فإن لهجان لسانه بذكر ربوبية الله له ولبنيه من بعده ذات مغزى … إنه لا يذكر الله سبحانه بصفة الألوهية، إنما يذكره بصفة الربوبية؛ فالألوهية قلّما كانت موضع جدال في معظم الجاهليات، وبخاصة في الجاهلية العربية، إنما الذي كان موضع جدل هو قضية الربوبية، قضية الدينونة في واقع الحياة الأرضية، وهي القضية العملية والواقعية المؤثرة في حياة الإنسان، والتي هي مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية، وبين التوحيد والشرك في عالم الواقع … فإما أن يدين الناس لله، فيكون ربهم، وإما أن يدينوا لغير الله، فيكون غيره ربهم … وهذا هو مفرق الطريق بين التوحيد والشرك وبين الإسلام والجاهلية في واقع الحياة، والقرآن وهو يعرض على مشركي العرب دعاء أبيهم إبراهيم، والتركيز فيه على قضية الربوبية؛ كان يلفتهم إلى ماهم فيه من مخالفة واضحة لمدلول هذا الدعاء! “. (3)

وهذا واضح في أن سيداً يجهل الفرق بين الربوبية والألوهية، ويجهل كذلك أن توحيد الألوهية هو موضع الصراع والخصومة والجدال بين الأنبياء وأممهم (4)، ويجهل أن الأمم كلها تعرف وتعترف بتوحيد الربوبية!.

وكأنه لم يسمع قول الله تعالى في رسالات الله جميعاً إلى جميع الأمم:] وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [. (5)

فالله سبحانه وتعالى لا يقول إلا] أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ [(6)؛ فهو واضح كل الوضوح في الدعوة إلى توحيد العبادة، ولم يقل: إنه لا ربَّ إلا أنا؛ لأن الأمم لا تكابر ولا تجادل في ذلك.

وكذلك يقول الله تعالى في تقرير الربوبية:] وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [. (7)
وفي توحيد الألوهية:] إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ [. (8)

فقد بين الله تعالى أنهم يأنفون ويستكبرون إذا دُعوا إلى توحيد الألوهية، ولا يفعلون ذلك إذا قُرِّروا بتوحيد الربوبية؛ لأنهم يعرفونه حق المعرفة، ولا يجادلون فيه ولا يكابرون.

ويقول سيد:

“وما كان لدين أن يقوم في الأرض، وأن يقوم نظاماً للبشر؛ قبل أن يقرِّر هذه القواعد.

فتوحيد الدينوية لله وحده هو مفرق الطريق بين الفوضى والنظام في عالم العقيدة، وبين تحرير البشرية من عقال الوهم والخرافة والسلطان الزائف، أو استعبادها للأرباب المتفرقة ونزواتهم، وللوسطاء عند الله من خلقه! وللملوك والرؤساء والحكام الذين يغتصبون (9) أخص خصائص الألوهية – وهي الربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية -، فيعبدون الناس لربوبيتهم الزائفة المغتصبة”. (10)

ويقول في تفسير قوله الله تبارك وتعالى:] فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [. (11)

“هذا التعقيب يجيء بعد مشهد القيامة السابق، وبعد ما حوته السورة قبل هذا المشهد من جدل وحجج ودلائل وبينات … يجيء نتيجة طبيعية منطقية لكل محتويات السورة، وهو يشهد بتنزيه الله سبحانه عما يقولون ويصفون، ويشهد بأنه الملك الحق، والمسيطر الحق، الذي لا إله إلا هو، صاحب السلطان والسيطرة والاستعلاء،] رب العرش الكريم [(12) “. (13)

ويقول:

“ونقف لحظة أمام قوله تعالى بعد عرض دلائل الألوهية في السماوات والأرض:] ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ [“. (14)
وقد قلنا: إن قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدي من المشركين؛ فقد كانوا يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر المتصرف القادر على كل شيء، ولكن هذا الاعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته؛ فلقد كان من مقتضى هذا الاعتراف بالألوهية على هذا المستوى أن تكون الربوبية له وحده في حياتهم، فلا يتقدمون بالشعائر التعبدية إلا له، ولا يحكمون في أمرهم كله غيره … وهذا معنى قوله تعالى:] ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ [(15) “. (16)

ألا ترى أن في هذا الكلام اضطراباً وخلطاً نتيجة لعدم الوضوح والغبش في الرؤية؟!.

([1]) “في ظلال القرآن” (4/ 1846).

([2]) “في ظلال القرآن” (4/ 1852).

([3]) “في ظلال القرآن” (4/ 2111).

([4]) وانظر للفائدة كتاب “منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل” للمؤلف. الناشر.

([5]) الأنبياء: 25.

([6]) الأنبياء: 25.

([7]) لقمان: 25.

([8]) الصافات: 35.

([9]) يجب تنزيه الله عن مثل هذا الأسلوب؛ فإن الله هو العزيز القاهر الغالب، فلا يقال في العباد الضعفاء إنهم اغتصبوا سلطان الله وأخص خصائصه، تعالى الله عن ذلك، إذ كل شيء في الكون لا يكون إلا بمشيئته وإرادته الكونية القدرية، وإن كان لا يريده ولا يرضاه من الناحية الشرعية، والظاهر أن سيداً مثل سائر أهل البدع لا يفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فتصدر منه مثل هذه العبارات القبيحة التي تتنافى مع جلال الله وعظمته وقهره لكل شيء.

([10]) “في ظلال القرآن” (4/ 1852).

([11]) المؤمنون: 116 – 118.

([12]) “في ظلال القرآن” (4/ 2482).

([13])

([14]) يونس: 3.

([15]) يونس: 3.

([16]) “في ظلال القرآن” (3/ 1763).

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :71356رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *