الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / عالمية الإسلام كيف يقررها سيد قطب؟!

عالمية الإسلام كيف يقررها سيد قطب؟!

عدد المشاهدات :2276

عالمية الإسلام كيف يقررها سيد قطب؟!

ويقول: (المجتمع الإسلامي مجتمع عالمي، بمعنى أنه مجتمع غير عنصري ولا قومي ولا قائم على الحدود الجغرافية، فهو مجتمع مفتوح لجميع بني الإنسان دون النظر إلى جنس أو لون أو لغة، بل دون نظر إلى دين أو عقيدة. . . ومن ثم تملك جميع الأجناس البشرية وجميع الألوان وجميع اللغات أن تجتمع في حمى الإسلام وفي ظل نظامه الاجتماعي، وهي تحس آصرة واحدة تربط بينها جميعا آصرة الإنسانية التي لا تفرق بين أسود وأبيض ولا بين شمالي وجنوبي، ولا بين شرقي وغربي؟ لأنهم جميعا يلتقون عند الرابطة الإنسانية الكبرى) ([1])

أقول: أولا: أن هذه هي الدعوة الماسونية العالمية، الدعوة في الظاهر إلى الإنسانية العالمية، وفي الباطن لتحقيق غايات صهيونية.

ثانيا: يحتج سيد لهذه الدعوة التي تقضي على مبدأ الولاء والبراء والبغض في الله والحب فيه الذي وردت فيه نصوص قرآنية ونبوية كثيرة، ويغرس في نفوس المسلمين الميوعة والسماجة السياسية المنافقة، فيصبح لا فرق عند المسلم الضائع بين اليهودي والنصراني والمجوسي وبين المسلم الموحد، يجمع الجميع آصرة الإنسانية، وتربط الجميع الرابطة الإنسانية الكبرى.
وينسى سيد قطب قول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وما جرى مجراها، وما أدري هل يعرف قول النبي صلى الله عليه وسلم: “أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما ([2]) وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه جرير البجلي: أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين ” ([3])، وله شاهد من حديث كعب بن عمرو بلفظه، وقوله صلى الله عليه وسلم: “من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله ” ([4]).

إن كثيرا من قيادات الحركات القطبية والإخوانية لا يهنؤون بالعيش إلا في ظل الدول النصرانية وفي عواصم أوروبا، زعما منهم أنهم يخدمون الإسلام، مع الأسف، وهم في حقيقة الأمر لا ترى آثارهم إلا في تمزيق صفوف السلفيين وبعثرتها وزحزحة الشباب السلفي عن العقيدة السلفية وعن منهج السلف وتشكيكهم في صلاحيتهما.

وكل هذا لا يخدم إلا أعداء الإسلام، لا سيما الأوروبيين والأمريكان، الذين يتظاهرون بالحماس ضدهم، وفي الحقيقة أنهم لا يعملون إلا لتحقيق غاياتهم ومصالحهم.

لأن الأوروبيين لا يخافون إلا من الإسلام الخالص الذي لا يمثله إلا المنهج السلفي، وتعرف ذلك جيدا بريطانيا التي حاربها أهل المنهج السلفي في الهند أكثر من مائة سنة، ولذلك كانت أيام الجهاد الأفغاني لا تحذر الخرافيين من الأفغان إلا من الوهابيين على حد قولها. هذه حقائق يجب أن يتنبه لها المخدوعون ويستيقظ لها النائمون.
ويؤكد سيد قطب أقواله ودعوته إلى ما سبق فيقول: (والإسلام لا يريد حرية العبادة لأتباعه وحدهم، إنما يقرر هذا الحق لأصحاب الديانات المخالفة، ويكلف المسلمين أن يدافعوا عن هذا الحق للجميع، ويأذن لهم في القتال تحت هذه الراية، راية ضمان الحرية لجميع المتدينين. . . وبذلك يحقق أنه نظام عالمي حر، يستطيع الجميع أن يعيشوا في ظله آمنين متمتعين بحرياتهم الدينية على قدم المساواة مع المسلمين وبحماية المسلمين) ([5])

أقول: أولا: إن الإسلام لا يكتفي بحرية العبادة للمسلمين، فقد كان المسلمون في المجتمع المدني يعبدون الله في حرية ولهم قوة وشوكة، ومع ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتب إلى ملوك الدنيا يطلب منهم الدخول في الإسلام فقط كما في كتابه لقيصر ملك الروم: “أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن أبيت، فإنما عليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله “، وما كان يطالب هؤلاء الملوك بمنح الأقليات حرية التدين، وقد كان النصارى من العرب والروم واليونان يمارسون عبادتهم بحرية، ويلقى أكثرهم تشجيعا من الدولة، فما كان الإسلام مستريحا لهذه الحرية، وقد كانت بعض الكنائس تلقى اضطهادا، وكذلك اليهود، فلم يطالب لهم رسول الله بحرية العبادة.

وقل مثل ذلك في سائر الممالك التي كاتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يطلب منهم إلا الدخول في الإسلام.

وقد قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلهِ} ([6]).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى” ([7]).
فتلك هي غاية الإسلام فقط: أن يكون الدين كله لله، وأن تكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

أما الجزية، فمع أن فيها صغارا وإذلالا لأعداء الله، فإنها حالة استثنائية لا غاية.

ثالثا: من التقول على الله وعلى الإسلام أن الإسلام يكلف المسلمين بالقتال من أجل حرية الأديان الباطلة، ويأذن لهم في القتال تحت هذه الراية، إن هذا القول قد بلغ الغاية في السوء والإساءة إلى الإسلام الذي شرع لأهله قتال أهل الأديان حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وحتى لا تكون في الأرض فتنة، كما نص على ذلك كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يشرع شيئا – والعياذ بالله – مما يدعيه سيد قطب.

رابعا: إن مقتضى قول سيد: (فالإسلام لا يريد حرية العبادة لأتباعه وحدهم إنما يقرر هذا الحق لأصحاب الديانات المخالفة ويكلف المسلمين أن يدافعوا عن هذا الحق للجميع).

أنه إذا كان هناك دولة ديمقراطية تبث دعوة الماسونية في المساواة الإنسانية وفي حرية العبادة للجميع وطبقت هذا الأسلوب الماسوني فأعطت الحريات لجميع الديانات التي تعيش في ظلها، مقتضى ما يقوله سيد أنا لا ندعوها للإسلام فإنها قد حققت الغاية التي يريدها الإسلام، وأن المسلمين لا يحق لهم إعلان الجهاد على مثل هذه الدولة، بل عليهم أن يتعايشوا معها في ظلال الأخوة الإنسانية الكبرى، وأن المسلمين إذا غزوا مثل هذه الدولة لإعلاء كلمة الله يكونون ظالمين وأهل عدوان واحتلال، فإذا قهروهم ونفذوا فيهم الشروط العمرية يكونون ظالمين مستعبدين، لأن المغلوبين لم يتمتعوا بحرياتهم ولم يقفوا مع المسلمين على قدم المساواة في ظل هذه الشروط، ألا ما أضر أهل الأهواء – ولا سيما الأهواء السياسية – على الإسلام وما أخطرهم على دين المسلمين وعقائدهم.
خامسا: على قول سيد قطب في وصف هذا المجتمع الذي اخترعه: (ولا قائم على الحدود الجغرافية فهو مفتوح لجميع الناس. . . إلخ). لا يكون هناك دار إسلام ولا دار حرب، ولا هناك ثغور يرابط فيها جند الله لحماية المسلمين ودارهم من مكائد الأعداء وغاراتهم، بل لا يكون هناك جهاد على ما يقول سيد قطب.

يؤكد هذا قوله: (نحن ندعو إلى نظام إنساني يقيم علاقاته الدولية على أساس المسالمة والمودة بينه وبين كل من لا يحاربونه ولا يحادونه ولا يؤذون معتنقيه ولا يفسدون في الأرض ولا يظلمون الناس، فهو لا يحارب إلا المعتدين المفسدين الظالمين، نحن ندعو إلى هذا النظام، فما الذي يخيف فردا أو طائفة أو دولة من أن يقوم مثل هذا النظام في أي بقعة من بقاع الأرض) ([8]).

أقول: وهل هناك فساد أكبر من الشرك بالله والكفر به وتكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبغض دينه والطعن فيه وعداوة أهله؟! وهل تجوز موادة من حاد الله ورسوله؟! وهل كلامك هذا لا يعني إلغاء الجهاد وقتل مبدأ الولاء والبراء ومبدأ الحب في الله والبغض فيه وتمييع النفوس والعقول التي تقبل هذا الباطل؟!

إن هذا النظام الإنساني الذي تدعو إليه ليس هو الإسلام وإنما هو نظام المؤسسات الماسونية التي لعبت بعقول كثير من المنتسبين إلى الإسلام، فأفسدت عقولهم، ودفعتهم إلى تمييع الإسلام.

سادسا: من هوس سيد وطمعه ظنه أنه بهذا الأسلوب المميع للإسلام ولعقول أتباعه أن الدول والشعوب والطوائف الكافرة التي تعيش في بلاد الإسلام سوف يتجاوبون معه ويفتحون له الطرق والأبواب لإقامة الدولة التي يتصورها ويصورها على هذه الشاكلة، ولن يكون ذلك، بل الذي حصل ويحصل إنما هو تمييع الإسلام وتشويهه وفتنة من لا يفهم الإسلام ولا يعقل بهذا التمييع والتشويه.
وقد وجدنا كثيرا من الناس في غير هذا البلد لا يفرق بين المسلمين واليهود والنصارى، ويعتقد أن الجنة ليست حكرا على المسلمين! ومن هذا الصنف من يدرس في الجامعات مع شديد الأسف.

فيا لله ويا للإسلام!

الجزية عند سيد قطب فرضت على أهل الذمة في مقابل الخدمة العسكرية تقليدا لسيرت وليست عنده للصغار كما يقول القرآن والمسلمون:

ينقل سيد قطب عن النصراني سيرت وأرنولد قوله: (وقد فرضت الجزية كما ذكرنا على القادرين من الذكور في مقابل الخدمة العسكرية التي كانوا يطالبون بأدائها لو كانوا مسلمين) ([9]).

ويفرح بهذا القول الضال، وفي الوقت نفسه لا يأنف من ضرب الجزية على المسلمين ولا يستنكره ولا يرى في ذلك إهانة للمسلمين ولا ينكر ذلك على من يفعله من الحكام الجائرين.

ينقل هذه المهزلة التشريعية عن نصراني أفاك، ويطير بها فرحا، ليرد بها على المغرضين كما يدعي، قال فيما نقله عن كتاب “الدعوة إلى الإسلام ” تأليف سيرت وأرنولد:

(ومن جهة أخرى أعفي الفلاحون المصريون من الخدمة العسكرية على الرغم أنهم كانوا على الإسلام وفرضت عليهم الجزية في نظير ذلك كما فرضت على المسيحيين) ([10]).

فطار سيد قطب فرحا بهذا الإفك والتحريف المتعمد من هذا النصراني، واتخذ منه برهانا قاطعا على أن صفة الجزية على النحو الذي يقرره.

وقال عقب الكلام السابق الذي نقله عن سيرت:

(مما يثبت بصفة قاطعة صفة الجزية على النحو الذي قررناه من قبل، ويبطل كافة الترهات الباطلة التي يثيرها المغرضون حول هذه المسألة، وحول علاقات الإسلام بمخالفيه في العقيدة ممن يعيشون في كنفه وتظللهم رايته).

والذي قرره سيد في هذا الكتاب وغيره أن الجزية لا تعني الصغار والذلة على قوم رفضوا الإسلام، بل سياقاته تفيد أنها تدليل لهم.
قال: (إنني أحسب مجرد التخوف من حكم الإسلام على الأقليات القومية في بلاده نوعا من التجني الذي لا يليق، فما من دين في العالم، وما من حكم في الدنيا، ضمن لهذه الأقليات حرياتها وكراماتها وحقوقها كما صنع الإسلام في تأريخه الطويل، بل ما من حكم دلل الأقليات فيه كما دلل الإسلام من تقلهم أرضه من أقليات، لا الأقليات القومية التي تشارك شعوبه في الجنس واللغة والوطن، بل الأقليات الأجنبية عنه، وعن قومه) ([11]).

بل إن الإسلام – في زعمه – بلغ من تدليله لهم أنه يحرم على المسلمين أشياء قد أباحها لأهل ذمته كالخنزير والخمر ويوجب ” على المسلمين تكاليف يعفى أهل الذمة منها كالجهاد والزكاة ([12]).

وما يدري أن الإسلام يرى في هذا أو ذاك إكراما للمسلمين ورفعا لدرجاتهم بالواجبات وتنزيها عن المحرمات والقاذورات، وأن أهل الذمة الكفار أقل وأحقر من أن يكلفوا بتلك الواجبات العظيمة الكريمة ([13])، وأقل وأحقر من أن ينزهوا عن تلك القاذورات التي نزه عنها المسلمون.

([1]) “نحو مجتمع إسلامي ” (ص 92 – 93).

([2]) أبو داود في (الجهاد، حديث د 4 26)، والترمذي في (السير، حديث 4 0 6 1) ” وصححه الألباني في “الإرواء” (5/ 30 – 32)، وساق له شواهد.

([3]) أحمد (4/ 5 36)، والنسائي (7/ 7 4 1) (البيعة، حديث 77 1 4)، والبيهقي (9/ 13)

([4]) أبو داود في (الجهاد 787 2)، وانظر “صحيح سنن أبي داود” (2/ 6 3 5، حديث 2420).

([5]) “نحو مجتمع إسلامي (ص 106)

([6]) البقرة 193

([7]) البخاري (الإيمان، حديث 24)، ومسلم (الإيمان 22).

([8]) “دراسات إسلامية” (ص 82)

([9]) نحو مجتمع إسلامي (ص 123)

([10]) نحو مجتمع إسلامي (ص 123)

([11]) “معركة الإسلام والرأسمالية” (ص 89).

([12]) “نحو مجتمع إسلامي ” (119).

([13]) وإن كانوا يعاقبون عليها في الآخرة.

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :45362رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *