الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :37821

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

قال سيد قطب ـ كافأه الله بما يستحق ـ:

((ولقد كان الصحابة يرون هذا الانحراف عن روح الإسلام فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ الإسلام وإنقاذ الخليفة من المحنة، والخليفة في كبرته وهرمه لا يملك أمره من مروان. وإنه لمن الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان، ولكن من الصعب كذلك أن نعفيَه من الخطأ الذي هو خطأ المصادفة السيئة في ولايته الخلافة وهو شيخٌ موهون تحيطُ به حاشية سوء من أمية)) ([1]).

لقد رمى سيد عثمان بالانحراف عن روح الإسلام، ثم أدرك أن المسلمين سيصدمون بهذا الرمي الجريء والطعن القادح في هذا الصحابي الجليل والخليفة الراشد الذي يكنُّ له المسلمون كل احترام وإكبار؛ فاضطر إلى المخادعة والمصانعة وتهدئة المشاعر التي تصوّر أنها ستثور غضبًا لعثمان ـ رضي الله عنه ـ.

فقال: ((وإنه لمن الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان))، ثم أصر على معاقبته ومحاسبته على الانحراف عن روح الإسلام، فجهر بإدانته فقال: ((ولكن من الصعب كذلك أن نعفيَه من الخطأ … )) إلخ.

ما هذا؟، وأي عاقل ينطلي عليه هذا التلاعب؟!!.

تدمغ عثمان بالانحراف عن روح الإسلام، ثم تقول: ((وإنه لمن الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان)).

أي صعوبة وأي عقبة واجهتها وأنت قد صدعت بهذه التهم الأثيمة وصرّحتَ بها، وتلوح بها وتدندن حولها عشرات المرّات.

قال سيد قطب: ((وقد اجتمع الناس فكلّفوا عليّ بن أبي طالب أن يدخل إلى عثمان فيكلمه، فدخل إليه فقال: الناسُ ورائي وقد كلّموني فيك، والله ما أدري ما أقولُ لك، وما أعرف شيئًا تجهلُه، ولا أدلُّك على أمرٍ لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما خصصنا بأمر دونك، وقد رأيتَ وسمعتَ وصحبتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ونلتَ صهره، وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل الحقِّ منك، ولا ابن الخطّاب بأولى بشيء من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحمًا، ولقد نلتَ من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم ينالا ولا سبقاك إلى شيء؛ فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى، ولا تُعلم من جهل، وإن الطريقَ لواضح بيِّن، وإن أعلامَ الدين لقائمة. تعلم يا عثمان أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدي وهَدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة متروكة؛ فوالله إن كلاَّ لبيِّن، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمامٌ جائر ضَل وضُل به، فأمات سنة معلومة، وأحيا بدعة متروكة. وإني سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يُؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر فيُلقى في جهنم)).
فقال عثمان: قد والله علمت ليقولن الذي قلت. أما والله لو كنتَ مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك، وما جئتُ منكرًا أن وصلتُ رحمًا، وسددت خلّة، وأويت ضائعًا، ووليت شبيهًا بمن كان عمر يولي؛ أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟، قال: نعم، قال: أتعلم أن عمر ولاّه؟، قال: نعم، قال: فلمَ تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟، قال علي: سأخبرك: إن عمر كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه، إن بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى الغاية، وأنت لا تفعل؛ ضعفت ورفقت على أقربائك؛ قال عثمان: وأقرباؤك أيضًا، قال علي: لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم، قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها؟، فقد وليته، فقال علي: أنشدك الله هل تعلم أنّ معاوية كان أخوفَ من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟، قال: نعم، قال علي: فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت لا تعلمها، فيقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك ولا تغير على معاوية)) ([2]).

وعلى هذا النص ملاحظات؛ إذ فيه علل في إسناده ومتنه:

الأولى: أن في إسناده: محمد بن عمر الواقدي: قال فيه أحمد بن حنبل: ((هو كذّاب))، وكذبه أبو حاتم والنسائي فقالا: ((يضع الحديث))، وقال ابن راهوية: ((هو عندي ممن يضع الحديث))، وقال ابن معين: ((ليس بثقة))، وقال مرة: ((لا يُكتب حديثُه))، وقال البخاري وأبو حاتم أيضًا: ((متروك)) ([3])، وقال ابن المديني: ((لا أرضاه في الحديث ولا في الأنساب ولا في شيء))، وهؤلاء هم الرجال.

ووثقه من لا يلتفت إلى قوله إما أنه خَفي عليه كذبه، وإما أنه من الضعفاء وليس من أهل الجرح والتعديل.

ولذا قال الذهبي: ((استقرّ الإجماعُ على وهن الواقدي)) ([4]).

الثانية: جهالة شيخ الواقدي.

الثالثة: في إسناده عبد الله بن محمد عن أبيه لم أقف لهما على ترجمة، ولم يذكرهما أحدٌ في ترجمة الواقدي حسب اطلاعي.
الرابعة: إن في إسناد القصة فيما يبدوا انقطاعًا: فإن ابن جرير قال: ((وأما الواقدي فإنه زعم أنّ عبد الله بن محمد حدثه عن أبيه، قال: لما كان سنة أربع وثلاثين كتب أصحاب رسول الله بعضهم إلى بعض إن كنتم تريدون الجهاد فعندنا الجهاد وكثر الناس على عثمان ونالوا منه ما لم ينل من أحد وأصحاب رسول الله يرون ويسمعون، وليس فيهم أحد ينهى ويذبّ إلا نفير منهم زيد بن ثابت، وأبو أسيد، وكعب بن مالك، وحسّان بن ثابت؛ فاجتمع الناسُ وكلموا علي بن أبي طالب فدخل عليّ على عثمان … إلى آخر الكلام الذي ذكره سيد.

الخامسة: في المتن علة، وهي: أن هذا الكلام بعيد أن يصدر من علي ـ رضي الله عنه ـ؛ فليس ـ والحمد لله ـ هناك إمامٌ جائر ضال، وليس في ذلك العهد الزاهر سنن معلومة أميتت، ولا بدعٌ أحييت؛ فإنّ البدع لم تظهر في عهد عثمان ـ رضي الله عنه ـ، وإنما ظهرت بدعة الخوارج بعده في عهد علي على أيدي الثوّار الذين خرجوا على عثمان من تلاميذ ابن سبأ اليهودي، كبدعة الخوارج والروافض، وهذا أمرٌ لا يمتري فيه أحد.

السادسة: أنّ في تولية عثمان من ولاّه عمر حجّة مقنعة وما كان علي
ـ رضي الله عنه ـ لينكر عليه أن يولي من ولاّه عمر، فإذا لم يقبل الناس من عثمان مثل هذه الحجة فسوف لا يقبل منه أيّ حجة إذا ولى غير من ولاّه عمر فماذا يفعل عثمان بعد ذلك؟.

السابعة: هذا الكلامُ المنسوب إلى علي ـ رضي الله عنه ـ وهو أن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية.
لا يسعنا إلاّ أن نقول كما علمنا الله {سبحانك هذا بهتانٌ عظيم}؛ وذلك أن هذه الأمور التي يقطعها معاوية دون عثمان إن كانت ظلمًا وعدوانًا على أعراض الناس ودمائهم وأموالهم وكذبًا وزورًا على عثمان فإنا والله ننزه عنها عثمان ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ، وإن كانت حقًّا وعدلاً وإنصافًا فإنّ معاوية يكون صادقًا على عثمان ومنصفًا وعادلاً في البتّ فيها، وعثمان على حقّ في إقرار معاوية وننزّه عليًّا أن يشارك تلاميذ ابن سبأ في التجنِّي على عثمان وولاته ومنهم معاوية وننزهه عن هذا الشغب المنسوب إليه.

ومن أجل كلّ ذلك قال ابن جرير: ((وأما الواقدي فإنه زعمَ أنّ عبد الله بن محمد حدثه))، لأنه يعرف من هو الواقدي ويعرف قدر هذا الزعم وقيمته.

وقد كان معاوية يكتب إلى عثمان فيمن يقع بينه وبينهم خلاف، فكتب إليه في شأن أبي ذرّ، وكتب إليه فيمن استطال عليه من أهل الشغب مثل مالك بن الأشتر وأصحابه؛ وهذه من الأدلة على حسن سيرته وانتظاره لأوامر عثمان ـ رضي الله عنه ـ وتنفيذها برفق وحكمة وحلم.

وكان في هذا النص الذي رواه الواقدي جواب لعثمان وفيه بسط عذر عثمان ـ رضي الله عنه ـ، فإن كان سيد قد قبلت نفسه هذا الكلام الذي يشوّه صورة عثمان فلماذا لم ينقل الكلام الذي يحسِّن صورته.
وإليك الكلام المحذوف وهو: ((ثم خرج عليّ من عنده وخرج عثمان على أثره فجلس على المنبر فقال: أما بعد: فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة وعاهتهم هذه النعمة عيابون طعّانون، يرونكم ما تحبون، ويسرون ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون أمثال النعام، أتباع كل ناعق، أحب مواردها إليها البعيد، لا يشربون إلا نغصًا، ولا يردون إلا عكرًا، لا يقوم لهم رائد، وقد أعيتهم الأمور، وتعذّرت عليهم المكاسب؛ ألا فقد والله عبتم عليّ بما أقررتم لابن الخطّاب بمثلِه ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنتُ لكم وأوطأتُ لكم كنفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم عليّ … (ألا فما تفقدون من حقّكم؟، والله ما قصّرتُ في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي، ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضل من مال؛ فمالي لا أضع في الفضل ما أريد، فلم كنت إمامًا))) ([5]).

ثم تكلم مروان بكلام خشن فأسكته عثمان بأسلوب قوي رادع.

والعجيب من أمر سيد قطب أنه لا يكتفي بتتبّع الروايات الساقطة التي تطعن في هذا الصحابي الجليل وإخوته حتى يضيف إلى ذلك إسقاط ما يتضمن منها براءتهم وبعدهم عن السقوط في المثالب التي تصفهم بها تلك الروايات الباطلة الساقطة.

([1]) ((العدالة)) (ص: 187) ط الخامسة، و (ص: 159 ـ 160) ط ثانية عشرة.

ولقد تحايل سيد أو غيره فحذف هذه التهم الأولى وأبقى معناها ومضمونها.

وقد غير بعض الألفاظ من هذا النص في ط ثانية عشرة (ص: 159 ـ 160) محافظًا على معناه فقال:

((ولقد كان الصحابة يرون هذه التصرفات الخطيرة العواقب، فيتداعون إلى المدينة لإنقاذ تقاليد الإسلام، وإنقاذ الخليفة من المحنة، والخليفة في كبرته لا يملك أمره
من مروان. وإنه لمن الصعب أن نتهم روح الإسلام في نفس عثمان، ولكن من الصعب كذلك أن نعفيَه من الخطأ الذي نلتمس أسبابه في ولاية مروان الوزارة
في كبرة عثمان)).
([2]) ((العدالة)) (ص: 160).

([3]) ((ميزان الاعتدال)): (3/ 662 ـ 666).

([4]) ((ميزان الاعتدال)): (3/ 662 ـ 666).

([5]) نقلتُ هذا المقطع لأجل هذا الكلام الذي لو نقله سيد لهدم ما نقله ولَغيّر الصورة التي رسمها لعثمان، لا سيّما ما بين القوسين من الكلام.

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

اتهام عثمان بأنه قد توسع في المنح والعطايا

عدد المشاهدات :4790اتهام عثمان بأنه قد توسع في المنح والعطايا قال سيد قطب ([1]): ((والأمثلة ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *