الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / رمي سيد المفتين والمستفتين في المجتمعات الإسلامية عن مشكلات تواجههم بالسخرية بالإسلام

رمي سيد المفتين والمستفتين في المجتمعات الإسلامية عن مشكلات تواجههم بالسخرية بالإسلام

عدد المشاهدات :3147

رمي سيد المفتين والمستفتين في المجتمعات الإسلامية عن مشكلات تواجههم بالسخرية بالإسلام

ويقول: (والإسلام نظام اجتماعي متكامل تترابط جوانبه وتتساند، وهو نظام يختلف في طبيعته وفكرته عن الحياة ووسائله في تصريفها، يختلف في هذا كله عن النظم الغربية وعن النظم المطبقة اليوم عندنا، يختلف اختلافا كليا أصلا عن هذه النظم، ومن المؤكد أنه لم يشترك في خلق المشكلات القائمة في المجتمع اليوم، إنما نشأت هذه المشكلات عن طبيعة النظم المطبقة في المجتمع ومن إبعاد الإسلام عن مجال الحياة.

ولكن العجيب بعد هذا أن يكثر استفتاء الإسلام في تلك المشكلات، وأن يطلب لها عنده حلول، وأن يطلب رأيه في قضايا لم ينشئها هو ولم يشترك في إنشائها.

العجب أن يستفتى الإسلام في بلاد لا تطبق نظام الإسلام، في قضايا من نوع (المرأة والبرلمان)، و (المرأة والعمل)، و (المرأة والاختلاط)، و (مشكلات الشباب الجنسية) وما إليها، وأن يستفتيه في هذا وأمثاله ناس لا يرضون للإسلام أن يحكم، بل إنه ليزعجهم أن يتصوروا يوم يجيء حكم الإسلام.

والأعجب من أسئلة هؤلاء أجوبة رجال الدين ودخولهم مع هؤلاء السائلين في جدل حول رأي الإسلام وحكم الإسلام في مثل هذه الجزئيات، وفي مثل هذه القضايا، في دولة لا تحكم بالإسلام.

ما للإسلام اليوم وأن تدخل المرأة البرلمان أو لا تدخل؟! ماله وأن يختلط الجنسان أو لا يختلطان؟

ما له وأن تعمل المرأة أو لا تعمل؟

ما له وما لأي مشكلة من مشكلات النظم المطبقة في هذا المجتمع الذي لا يدين للإسلام ولا يرضى حكم الإسلام؟
وما بال هذه الجزئيات وأمثالها هي التي يطلب أن تكون وفق نظام الإسلام، ونظام الإسلام كله مطرود من قوانين الدولة، مطرود من حياة الشعب؟!

إن الإسلام كل لا يتجزأ، فإما أن يؤخذ جملة وإما أن يترك جملة.

أما أن يستفتى الإسلام في صغار الشؤون، وأن يهمل في الأسس العامة التي تقوم عليها الحياة والمجتمع، فهذا هو الصغار الذي لا يجوز لمسلم – فضلا على عالم دين – أن يقبله للإسلام، إن جواب أي استفتاء عن مشكلة جزئية من مشكلات المجتمعات التي لا تدين بالإسلام ولا تعترف بشرعيته أن يقال: حكموا الإسلام أولا في الحياة كلها، ثم اطلبوا بعد ذلك رأيه في مشكلات الحياة التي ينشئها هو لا التي أنشأها نظام آخر مناقض للإسلام …

إنني أعتبر كل استفتاء للإسلام في قضية لم تنشأ من تطبيق النظام الإسلامي، والإسلام كله مطرود من الحياة، إنني أعتبر كل استفتاء من هذا النوع سخرية من الإسلام، كما أعتبر الرد على هذا الاستفتاء مشاركة في هذه السخرية من أهل الإفتاء، والذين يصرخون اليوم طالبين منع المرأة من الانتخاب باسم الإسلام، أو منعها من العمل باسم الإسلام، أو إطالة أكمامها وذيلها باسم الإسلام، ليسمحوا لي مع تقديري لبواعثهم النبيلة أن أقول لهم: إنهم يحيلون الإسلام إلى هزأة وسخرية، لأنهم يحصرون المشكلة كلها في هذه الجزئيات.

إن طاقاتهم كلها يجب أن تنصرف إلى تطبيق النظام الإسلامي والشريعة الإسلامية في كل جوانب الحياة. . . يجب أن يأخذوا الإسلام جملة وأن يدعوه يؤدي عمله في الحياة جملة، فهذا هو الأليق لكرامة الإسلام وكرامة دعاة الإسلام.

هذا إذا كانوا جادين في الأمر، مخلصين في الدعوة. . . أما إذا كان الغرض هو الضجيج الذي يلفت النظر، وهو في ذات الوقت مأمون لا خطر فيه، فذلك شأن آخر أحب أن أنزه عنه على الأقل بعض الهيئات والجماعات) ([1])

أقول:

أولا: إن سيد قطب قد أداه حماسه لتطبيق الشريعة على فهمه إلى أمرين خطيرين:
أحدهما: سد باب الإفتاء والاستفتاء واتهام المفتين والمستفتين بالسخرية بالإسلام.

فالسؤال من أناس مسلمين يعتزون بإسلامهم ويتطلعون إلى دينهم ليعالج مشاكلهم فينفذون منه ما يستطيعون.

والمفتون يفتون بما يفهمون ويعملون من حلول إسلامية لمجتمع مسلم فرضت عليه قوانين غير إسلامية فرضا من عدو مستعمر.

ألا يدل هذا الإفتاء والاستفتاء على احترام الناس لدينهم وحبهم له وثقتهم فيه؟

وألا يدل على أن العلماء يعتزون بدينهم ويحرصون على ربط الناس به وفزعهم إليه عند المشكلات والملمات التي تلم بهم؟

ثانيهما: وهو الأخطر، وهو رمي المجتمعات الإسلامية بأنها لا تدين بالإسلام، فهذه دندنة حول تكفيرهم.

انظر إلى قوله: (ما له ولأي مشكلة من مشكلات النظم المطبقة في هذا المجتمع الذي لا يدين للإسلام ولا يرضى حكم الإسلام).

انظر إلى قوله: (إن جواب أي استفتاء عن مشكلة جزئية من مشكلات المجتمعات التي لا تدين بالإسلام ولا تعترف بشريعته أن يقال: حكموا الإسلام أولا في الحياة كلها ثم اطلبوا بعد ذلك رأيه في مشكلات الحياة التي ينشئها هو).

وهكذا ينظر إلى المجتمعات الإسلامية بهذا المنظار ويحكم عليهم بهذه الأحكام، لا في هذا الكتاب، بل في كل كتبه أو جلها.

ثم هل الإسلام ينشيء المشاكل؟ حاشاه من ذلك!

إنما هو يعالج المشاكل التي ينشئها أهل الأهواء والضلال والفسوق والنفاق.

ثانيا: إن معظم رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أرسلهم الله إلى أمم تعبد الأوثان وترتكب المحرمات والفواحش ليعالجوا المشاكل التي أنشأتها جاهلياتهم ووثنياتهم، فدعوا إلى توحيد الله ونهوا عن الشرك ونهوا عن الفواحش والمحرمات التي تمارسها تلك الأمم، وقد أنشأتها جاهلياتهم، ويتقدمون إلى تلك الأمم الكافرة الجاحدة الكنودة بالزواجر والنواهي والتحذير والإنذار من مخالفتها، كل ذلك وأممها ترفض ذلك.

كل ذلك ولم يكن لهم دول ولا أنظمة. ولم يقولوا: ما للإسلام وهذه المشكلات التي لم ينشئها؟! وما للإسلام والفواحش والمنكرات التي لم يشارك في إنشائها؟! ولم يقفوا مكتوفي الأيدي حتى تقوم لهم دول وحكومات، وإنما يبلغون رسالات الله في حدود طاقاتهم.

قال تعالى عن شعيب: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ} هود: 84.

وقال عن لوط عليه السلام: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ} العنكبوت: 28

وقال تعالى عن العبد الصالح لقمان: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} لقمان: 13

{يَابُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} لقمان: 17 – 18

ولقد واجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الجاهلية في العهد المكي، وهي في شركها منغمسة في كثير من الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية، وليس له دولة، فدعا إلى التوحيد ونبذ الأوثان وخلعها، وحارب الفواحش والمنكرات والمحرمات، ولم يقل: ما لي ولهذه المنكرات التي لم يشارك الإسلام في إنشائها؟!
قال تعالى لرسوله الكريم: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} ([2])

وقد عالجت السور المكية كثيرا من المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، وإن كان محور الدعوة الأصيل هو التوحيد ومحاربة الشرك.

ولا سيما هذه السورة المكية سورة الأنعام التي استشهدنا بالآيتين السابقتين منها، فإن فيها بالإضافة إلى ما سبق تحريم الميتة ولحم الخنزير والدم وما أهل به لغير الله.

كل ما ذكرناه كان في مجتمعات جاهلية.

فكيف بمجتمع يدين بالإسلام؟

فإذا سأل سائل وأجابه مفت عالم، استنكر ذلك سيد قطب واعتبر الاستفتاء والإفتاء سخرية بالإسلام. . . إلى آخر ما اعترض به سيد قطب على المفتين والمستفتين وإلى آخر تكفيره للمجتمعات الإسلامية.

إن الله يبغض الفواحش أشد البغض، ولا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش.

عن المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: قال سعد بن عبادة: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “تعجبون لغيرة سعد، والله لأنا أغير منه، والله أغير مني، ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ” ([3])
فكيف يقول سيد قطب: (ما للإسلام اليوم وأن تدخل المرأة في البرلمان أو لا تدخل، وأن يختلط الجنسان أو لا يختلطان. . . إلخ).

ما هكذا الدعوة إلى تطبيق نظام الإسلام بإزهاق آخر نفس للإسلام، ثم يدعو إلى إنشاء مجتمع إسلامي جديد في خيال سيد بعد الحكم على المجتمعات الإسلامية بالكفر

ما هكذا يكون الإصلاح

وما هكذا يا سعد تورد الإبل

ثالثا: يجب أن يفهم العقلاء نوع الحكم الذي يتحمس له سيد قطب ويكفر الناس المحكومين قبل الحكام من أجله لأنهم لم يطبقوه.

إنه حكم يختلس من الديمقراطية إنشاء البرلمانات والانتخابات تحت ستار الشورى الإسلامية يشارك في قمتها وإدارة دفتها اليهود والنصارى والعلمانيون تحت ستار أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين وقبلهم الروافض وغلاة الصوفية القبورية، وسيكون من علامات تقدمها إنشاء الكنائس والبيع وتشييد القبور والحسينيات، وإنشاء مجلس أعلى للصوفية يتبعه إدارة أو إدارات للأضرحة تجبي غلال صناديق النذور!!

ويستل من الشيوعية الحمراء الاشتراكية المدمرة التي تبدأ بالعلماء فتجردهم من مناصبهم لأنهم يساندون النظام الإقطاعي، وينتزع من كبار الملاك أراضيهم ودورهم، ويعرج على أصحاب الأموال يبتز أموالهم لأنهم إقطاعيون ورأسماليون، ويطرد الموظفين والمستخدمين من وظائفهم، ثم يسوق الجميع بسياط الاشتراكية إلى المصانع والمعامل والحقول الزراعية المؤممة، وكل هذا وذاك سيكون باسم الإسلام، واشتراكية الإسلام، وعدالة الإسلام، الإسلام الذي يقول عنه سيد قطب: (إنه يصوغ من الشيوعية والمسيحية معا مزيجا كاملا يتضمن أهدافهما ويزيد عليهما بالتناسق والتوازن والاعتدال).

([1]) دراسات إسلامية” (ص 86 – 92)

([2]) الأنعام: 151 – 152.

([3]) البخاري (التوحيد، حديث 7416) 

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :45366رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *