الرئيسية / عن الأستاذ سيد قطب / اتهام عثمان بأنه قد توسع في المنح والعطايا
الفتنة التي يقع فيها الإخوان وأتباعهم

اتهام عثمان بأنه قد توسع في المنح والعطايا

عدد المشاهدات :3464

اتهام عثمان بأنه قد توسع في المنح والعطايا

قال سيد قطب ([1]): ((والأمثلة كثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسعات؛ فقد منح الزبير ذات يوم ستمائة ألف، ومنح طلحة مائتي ألف، ونفل مروان بن الحكم خُمس خراج إفريقية. ولقد عاتبه في ذلك ناسٌ من الصحابة على رأسهم علي بن أبي طالب، فأجاب: إن لي قرابةً ورحمًا، فأنكروا عليه وسألوه: فما كان لأبي بكر وعمر قرابة ورحم، فقال: إن أبا بكر وعمر كان يحتسبان في منع قرابتها وأنا أحتسب في إعطاء قرابتي؛ فقاموا عنه غاضبين يقولون: فهديُهما والله أحبُّ إلينا من هديك. نعم (وأحب إلى الإسلام، وأقرب إلى حقيقة الإسلام) ([2])، وغير المال كانت الولايات تغدق على الولاة من قرابة عثمان وفيهم معاوية الذي وسع عليه في الملك، فضم إليه فلسطين وحمص، وجمع له قيادة الأجناد الأربعة، ومهّد له بعد ذلك أن يطلب الملك في خلافة عليّ وقد جمع المال والأجناد. وفيهم الحكم بن العاص طريد رسول الله (الذي آواه عثمان وجعل ابنه مروان بن الحكم وزيره المتصرِّف) ([3])، (وفيهم عبد الله بن سعد بن أبي السرح أخوه من الرضاع … )) إلخ.

مناقشة هذا المقطع:

أولاً: لا أدري على أيِّ منهج ارتكزت مناقشات سيد قطب للخليفة الراشد عثمان ـ رضي الله عنه ـ؟.

ولا أدري هل خطر بباله قول الله: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبيّنوا أن تصيبوا قومًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} فإذا كان لا بدّ له من التشهير بهذا الخليفة الراشد ولا بدّ له من الإعراض عن منهج أهل السنة والجماعة في السكوت عما جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم واعتبارهم مجتهدين فيما حدَث بينهم حتى من القتال.
وإذا كان يرى أن لا بدّ له من الخوض في هذا الميدان على ما فيه من خطر وضلال فلقد كان يجب عليه أن يتحلّى بشيءٍ من العدل والإنصاف بناءً على قول الله تعالى: {ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}، وكان لا بدّ له إن كان مدفوعًا إلى هذه الحملات بسبب ضغط نفسي أو خارجي أن يتبع المنهج العلمي في نقده ([4]) وبحثه ودراسته، خصوصًا وقد شاع في وقته احترام المنهج العلمي في البحث والدارسة خصوصًا في مثل هذا الميدان الذي خاضه.

ثانيًا: نسأله بناءً على ما أسلفناه فنقول:

أين أدلتك وبراهينك على هذه الأمثلة الكثيرة في سيرة عثمان على هذه التوسّعات؟؟.

وهل تستطيع أنت أو أشد خصوم عثمان وإخوانه أن تثبتوا في ضوء المنهج العلمي شيئًا من هذه الاتهامات والادعاءات الظالمة؟؟.

ثالثًا: زعمتَ أن عثمان منح الزبير ستمائة ألف، ومنح طلحة مائتي ألف، ونفل مروان بن الحكم خُمس خراج إفريقية.

1 ـ فهل تستطيع إثبات هذه الدعاوي؟؟.

2 ـ ألا ترى أنّ في دعواك هذه طعنًا في عثمان والزبير وطلحة إذا كان في عطائه لهما ابتزاز لأموال المسلمين؟؟.

فإذا كانت حرامًا وظلمًا فإنه لا يجوزُ لهما أن يقبلا هذا العطاء فإنّ فيه تعاونًا على الإثم والعدوان وتعاونًا على ابتزاز أموال المسلمين ونهبها وفتحًا لأبواب الفتن وللطعن في الإسلام نفسه.

لقد دافع سيد عن أبي بكر وعمر فيما حصل بين أبي بكر وعمر من خلاف في خالد بن الوليد في شأن مالك بن نويرة وتزوّج خالد لزوجة مالك بعد قتله، وفي عزل عمر لخالد بعد ذلك.
ففسّر (هيكل) وجهات نظر أبي بكر وعمر تفسيرًا سياسيًّا يناسب سياسة هذا العصر، فاستنكر سيد هذا التفسير من هيكل فقال ([5]): ((هذا هو التصوير الصحيح للأمر في نظر الدكتور هيكل! وإن أعجب فعجب لرجل يعيش بفكره ونفسه في جوّ هذه الفترة من التاريخ الإسلامي، وفي ظلّ هذه الضمائر المرهفة الحساسة الشديدة الحساسية من رجاله ثم لا يرتفع ضميره هو وشعوره بتفسير الحوادث على هذا المستوى المستمد مباشرة من ملابسات السياسة في عصرنا المادي الحاضر لا من روح الإسلام وتاريخه في تلك الفترة إنما هذه سياسة أيامنا الحاضرة تبرّر الوسيلة بالغاية وتهبط بالضمير الإنساني إلى مستوى الضرورات الوقتية، وتحسب هذا براعة في السياسة ولباقة في تصريف الأمور.

وما أصغر أبا بكر في هذا التصوير الذي يقول الدكتور هيكل: إنه هو التصوير الصحيح لولا أنّ أبا بكر كان أكبر وأبعد من مدى المجهر الذي ينظر به رجل يعيشُ في عصرٍ هابط، فلا يستطيع إطلاقًا أن يرتفع إلى ذلك الأفق السامق البعيد، فضلاً عن الجهل الفاضح بأوليّات الشريعة الإسلامية)).

ثم ناقش سيد قطب هيكلاً مرة أخرى في عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، ووبّخه بمثل ما وبّخه في حقّ أبي بكر.

وهو كلامُ حقٍّ وصدْق، وأنا أؤيّده فيه ويؤيّدُه كلّ مسلم، ولكن ألا يرى سيد أنه قد نال من عثمان وإخوانه طلحة والزبير ومعاوية وغيرهم أشد وأنكى مما نال هيكل من أبي بكر وعمر.

ألا يحق لنا أن نقول لسيد كما قال لهيكل: ((وإن أعجب فعجب لرجل يعيش بفكره ونفسه في جوّ هذه الفترة من التاريخ الإسلامي وفي ظلّ هذه الضمائر المرهفة الحساسية من رجاله ثم لا يرتفع بضميره هو وشعوره بتفسير الحوادث عن هذا المستوى المستمد مباشرة (من أحقاد الروافض والاشتراكيين الثوريين والمؤيد للثورة الفاجرة التي قادها اليهودي اللعين ابن سبأ)).

ويحقُّ لنا مرة أخرى أن نقول:((ما أصغر عثمان وإخوانه العظماء الكبار النبلاء في هذا التصوير الذي صورهم به سيد قطب لولا أنهم كانوا أكبر وأبعد من مدى المجهر الذي ينظر به رجل يعيش في عصر هابط فلا يستطيع إطلاقًا أن يرتفع إلى ذلك الأفق السامق البعيد، فضلاً عن الجهل الفاضح بمكانة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقوقهم التي اعتبرها المسلمون من الأساسيات في عقائدهم وفي ولائهم وبرائهم وحبهم وبغضهم واحتقار وتبديع وتضليل من ينال من أحد منهم، لا سيما الكبراء الذي أساءَ إليهم سيد قطب، وصوّرهم ذلك التصوير القبيح المشهوّه)).

وقال سيد بعد دفاعه الجيِّد عن أبي بكر وعمر: ((وبعد: فقد أسهبتُ في عرض هذا اللون من التفكير وتفنيده لأصحح الخطأ العميق الذي يقع فيه من يريدون تصوير طرائق التفكير والشعور في عصر ارتفاع الروح الإسلامي على ضوء التفكير والشعور في عصرنا المادّي البعيد عن ذلك الروح المرهف وما يجرُّه هذا الخطأ من سوء الفهم لحقائق الضمير البشري وطاقته في السمو والحساسية، وما أريد أن ألبس أولئك الرجال ثوبًا فضفاضًا، ولا أن أصورهم معصومين من كلّ ضعفٍ بشري، ولكنما أريد أن أرد الثقة بالضمير البشري إلى نفوس الناس، كما أريد أن أصور هذه الفترة من حياة المسلمين في صورتها الصحيحة التي يستشعرها بقوة كل ضمير فيه استعداد للتطلّع إلى هذا الأفق البعيد)) ([6]).

أقول: ثم ماذا فعل سيد بعد ذلك؟، هل مضى في هذا التصحيح لهذا الخطأ العميق؟، أم أوقعَه التفكير والشعور في عصرنا المادي البعيد عن ذلك الروح المرهف في هوّة أعمق وأبعدَ مما وصل إليه هيكل وأمثالُه في حقَّ الصدِّيق وعمر ـ رضي الله عنهما ـ؟؟!.

فهل من يهبط بعثمان وإخوانه الكرام إلى المستوى الهابط الذي صوّره سيد قطب يرى أنهم شاركوا الصدِّيق وعمر الفاروق في ارتفاع الروح الإسلام في ذلك العصر؟!!.
أفمن يصوّرهم في تلك الصور المزرِية يكون قد صحّح ذلك الخطأ وسوء الفهم عن ذلك الروح المرهف؟؟.

أمن يصورهم في تلك الصورة الشوهاء يرد الثقة بالضمير البشري إلى نفوس الناس أم يقضي عليها ويصيب الأمة بالإحباط؟؟.

أمن يصور عهد عثمان وإخوانه وعماله الشرفاء في الصورة المظلمة التي صورها هذا الرجل يكون قد صوّر تلك الفترة من حياة المسلمين في صورتها الصحيحة التي يستشعرها بقوة كل ضمير فيه استعداد للتطلع إلى ذلك الأفق البعيد؟؟.

3 ـ ألا يرى أنّ هذا الزعم بأن عثمان أعطى مروان خُمس خراج إفريقية طعنًا في عثمان والصحابة الذين يقرّونه من الأباطيل التي يتعلّق بها أهل الأهواء في الطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أين إسنادها الذي يعتمد عليه الهائجون على عثمان ـ رضي الله عنه ـ؟!!.

وقد ذكر ابن جرير ([7]) بإسناد فيه سيف بن عمر ـ وهو ضعيف ـ: أن عبد الله بن سعد بن أبي سرح لما فتح إفريقية قسم عبد الله ما أفاء الله عليهم على الجند وأخذ خُمس الخمس وبعث بأربعة أخماسه إلى عثمان … ووفد وفدًا فشكوا عبد الله فيما أخذ، فقال لهم: أنا نفلتُه وكذلك كان يصنع، وقد أمرت له بذلك، وذاك إليكم الآن، فإن رضيتم فقد جاز، وإن سخطتم فهو رد. وكتب إلى عبد الله بردّ
ذلك واستصلاحهم، قالوا: فاعزله عنا فإنا لا نريد أن يتأمّر علينا وقد وقع ما وقع، فكتب إليه أن استخلف على إفريقية رجلاً ممن ترضى ويرضون واقسم الخمس الذي كنت نفلتك في سبيل الله، فإنهم قد سخطوا النفل. ففعل، ورجع عبد الله بن سعد إلى مصر وقد فتح أفريقية، وقتل الأجل؛ فما زالوا من أسمع أهل البلدان وأطوعهم إلى زمان هشام بن عبد الملك أحسن أمة سلامًا وطاعة، حتى دبّ إليهم أهل العراق، فلما دبّ إليهم دعاة أهل العراق واسثاروهم شقّوا عصاهم وفرّقوا بينهم إلى اليوم)).

وذكر لهم قصة مع أهل الأهواء ثم مع هشام. فالذي يعامل فاتح إفريقية هذه المعاملة كيف يصدُق فيه ذلك الإفك بأنه أعطى مروان وهو نائمٌ في المدينة خمس خراج إفريقية!!.

فهذه الحادثة ((إن صحّت فإنها هي وأمثالها مما ينسجم مع سجايا عثمان وحسن أخلاقه وكريم شيمه، وتنسجم مع أخلاق وتصرفات أخويه أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ؛ ومثلها يمكن التسامح في نقله بخلاف تلك المطاعن والمثالب الظالمة التي استروح إليها سيد وأكثرَ مِن تِردادِها.

وذكر ابن أعثم ([8]): ((أن عثمان ـ رضي الله عنه ـ نشط لغزو إفريقية فاستشار الصحابة، فشجّعوه، فجهّز جيشًا من المدينة ومصر بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فدارت معارك انتهت بالصلح بين الملك جرجين وبين عبد الله على أن يدفع جرجين ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار، على أنّ عبد الله يكفّ عنه ويخرج عن بلده؛ فأخذ عبد الله بن سعد منه هذا المال، فأخرج منه الخُمس ليوجه به إلى عثمان، وقسّم باقي ذلك في المسلمين)).

قال: ((ورجع عبد الله بن سعد بالمسلمين إلى أرض مصر، وكتب إلى عثمان يخبره بفتح إفريقية وسلامة المسلمين، ووجه إليه بالخمس من أموال إفريقية، فقسّمه عثمان في أهل المدينة، وحمد الله عز وجل على ذلك؛ فله الحمد على ذلك دائمًا والشكر، وحسبنا الله ونعم الوكيل)).

هذا ما نقله هذا المؤرّخ الشيعي، فلم يتجنَّ على عثمان، ولم يذكر أنه نفل عبد الله بن سعد خمس الخمس.

وذكر الذهبي ([9]) مصالحة ابن سعد على المال، ولم يذكر تنفيل ابن سعد؛ وما ذكره أمثلُ وأشدُّ قربًا إلى واقع عثمان وشمائله الطيّبة، وأبعد عن التهويش على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما ما تزعمه القصة من أن عثمان أعطى طلحة مائتي ألف فقد روى ابن جرير عن موسى بن طلحة قال: كان لعثمان على طلحة خمسون ألفًا، فخرج عثمان يومًا إلى المسجد، فقال له طلحة: قد تهيّأ مالك فاقبضه، فقال: هو لك يا أبا محمد معونة على مروءتك)) ([10]).
وروى بإسناده إلى الحسن أن طلحة بن عبيد الله باعَ أرضًا له من عثمان بسبعمائة ألف فحملها إليه فقال طلحة إن رجلاً تتسق هذه عنده وفي بيته لا يدري ما يطرقه من أمر الله عز وجل لغرير بالله سبحانه؛ فبات ورسوله يختلف بها في سكك المدينة يقسمها حتى أصبح، فأصبح وما عنده درهم.

فلا يبعد أن يكون راوي القصة قد سمع مثل هاتين الروايتين المشرّفتين التي تدلّ كل واحدة منهما على كرم أصحاب رسول الله وبذلهم الأموالَ في ذات الله، وتدلّ على شرفهم وكمال مروءتهم؛ فيخترع نقيضها للطعن فيهم والحطُّ من مكانتهم.

ألا ترى أنّ الراوية الأولى تنصّ على أن عثمان تنازل عن ماله لطلحة الجواد الكريم صاحب المروءة والبذل السخي معونةً له على مروءته؟؟.

والثانية: تنص على أن هذا المبلغ الكبير كان ثمنًا لأرض دفعه عثمان إلى طلحة لا اختلاسًا من بيت مال المسلمين أو نهبًا واغتصابًا؛ فما كان لطلحة أن يطيقها فتبيت عنده فبادر إلى إنفاقها في سبيل الله.

لماذا لا يبحث سيد عن هذه الصور المشرقة لأصحاب رسول الله فيسوقها للأجيال التي عاصرها لتعتزّ بها وتتخذ منها أسوة وليعيد الثقة إلى أبناء المسلمين بدينهم لأنه أخرجَ هذه النماذج العليا من البشر؟.

وأما ما تزعمه القصة بأن عثمان أعطى الزبير ستمائة ألف فهذا من الأكاذيب التي يسارعُ إلى تصديقها أعداء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومما يؤكّد كذبها: أن الزبير كان قد أخرج نفسه من الديوان استغناء وتعفّفًا فكيف يخرج نفسه من الديوان ثم يقبل مثل هذا العطاء المزعوم؟!!.

([1]) ((العدالة)) (ص: 159) ط ثانية عشرة، و (187) ط خامسة.

([2]) ما بين القوسين من ((العدالة)) (ص: 187) ط خامسة.

([3]) ما بين القوسين في ((العدالة)) (ص: 159) ط الثانية عشر.

([4]) معلوم أنّ لسيد قطب كتابًا في النقد الأدبي.

([5]) ((العدالة الاجتماعية)) (ص: 134) ط ثانية عشرة، و (ص: 154) ط الخامسة.

([6]) ((العدالة)) (ص: 135) ط الثانية عشرة، و ((العدالة)) (ص: 156 ـ 157) ط الخامسة.

([7]) ((التاريخ)): (4/ 254).

([8]) ((الفتوح)) لابن أعثم: (1/ 357 ـ 361).

([9]) ((عهد الخلفاء)) (ص: 321)، ومثله البلاذري (ص: 229).

([10]) ((تاريخ ابن جرير)): (4/ 405).

تعليقات و مشاركات اجتماعية

comments

Powered by Facebook Comments

عن حقيقة الإخوان المسلمين

شاهد أيضاً

logo

رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام

عدد المشاهدات :24341رمي عثمان بالانحراف عن روح الإسلام قال سيد قطب ـ كافأه الله بما ...

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *